الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢٢٠إن عبد الله يعجّل الفِطرَ ويؤخّر السحور. فقالت: «هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، ولأنَّ السحور يُرادُ ليُتَقَوّى به على الصوم، فكان التأخير أبلغ في ذلك وكان أولى.
وقوله: «لا يزال هذا الدين ظاهراً أي قوياً. قال الأصمعي: يقال: بعير ظهيرٌ بَيِّنُ الظهارة؛ إذا كان قوياً، وناقة ظهيرة كذلك. ويجوز أن يُراد غالباً أو عالياً من ظَهرت على الرجل إذا غلبته، وظهرت على البيت علوتُه، وأظهره الله على عَدُوّه: غَلَبَهُ عليه.
والمعنى: لا يزال هذا الدين قوياً، أو غالباً على غيره، أو مستعلياً على غيره من أعدائه، ما دام الناس على تقديم الفطور وتأخير السحور لأن ذلك من سنّة الشارع؛ فإذا بدلوا سُنّته بغيرها كانوا أنقصوا شيئاً من الدين، ومن لوازم النقص الضعف والوهن، ومن لوازم الإتيان بالسنة على وجهها قوة الدين وظهوره على غيره من الأديان.
وقوله: «تسخروا فإن في السحور بركة يعني (والله أعلم) أن من لا يضره السحور طبعاً وعادةً فالسحور له بركة، وإلا فالندب منحصر في من لا يضره، وطبائع الناس متفاوتة؛ فمنهم من تكفيه أكلة الفطور فإن زاد عليها أصبح متخوماً وربما أثقلته البطنة فشغلته عن التهجد والتلاوة، ومنهم مَنْ لو لم يتسحر يصبح ضعيف القوة على الصوم؛ فالندب يتوجه إلى أهل هذه الحالة لا إلى عموم الناس مع عدم المبالاة بما يضرّهم، لكن الحازم في الدين الحريص على فعل المندوبات يخفف أكله أوّل الليل ليجعل لأداء السُّنّة المندوبة من التسخر مُتَسَعاً، والبطنة آفة كبيرة مانعة لكثير من وظائف العبادة، وقل من بات جائعاً أو خفيف البطن لا يشتهي الأكل آخر الليل، فالأولى الإتيان بهذه السنة لقصد التبعية، وللحصول على البركة، ولو بما خَفَّ وقَلَّ من الغذاء ولو بتمرة وحسوة من الماء أو بشربة من اللبن أو مهما كان؛ ليكون بذلك مقتفيا للسنة، متقوّياً على الصوم، متعرضاً للبركة، متيقظاً لتجديد النية على قول من يلتزم تجديدها كُلّ ليلة.
220