نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٤٥

ص: وجاز الدُّعاء للولي بالخير مطلقاً، ولا يجوز لغير الولّي إلا بدنيويّ لا يَقْوَى به على فساده، وانظر إلى حكمة مشروعية الجهاد، فإنّها لإعلاء كلمة الله ومحق كلمة الفساد، ولا يُدْعَ لفاجر بالرضا والمغفرة. {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ) [التوبة: 114] الآية؛ فأثنى الله عليه بتركه بعد ما تَبَيِّنَ له أَنه عَدُوٌّ الله وببراءتِهِ منه حَنّاً على الاقتداء به، وحكمته سبحانه وتعالى ظاهرة في أمره بمعادات أعدائه، إذ ليس مِنْ طاعة الله أن تشكر لعَدُوِّه الذي

غضب عليه.

قلتُ: مَنْ صَحَ إيمانه وأخْلَصَ توحيدة لم يأنس بعدو الله، سواء كان مشركاً أو فاسقاً، موافقاً في المذهب أو مُبتدعاً مخالفاً في الدين والدَّعوة، وأظْهَرَ لهم من نفسه العداوة. ومن داهَنَ جنس العصاة في دينه سلبه الله حلاوة الإيمانِ والسُّنَن الطَّاهرة، ومن أجابهم إيثاراً لِعِزّ الدُّنيا وطلباً لغناها أذَلَّهُ الله بذلك العزّ، وأفقره بذلك الغِنَى، ومن ضحك إليهم سلبه الله بهجة اليقين، ونزع مِنْ قلبه نور الإيمان.

،

،

ومن شك فليسبر حالات هؤلاء المداهنين، وبالخصوص لأعدائنا أهل البدع والخلاف المعتقدين فينا أننا لا يقام لنا وزن يوم القيامة وأننا كلابُ النَّار، وأننا لا خَلَاقَ لنا في الدِّين، فإنه يجد أغلب حالاتهم مؤوفة بالاعوجاج، مُشَوَّهةً بضعف الإيمان على بصائرهم أكدار من غبار النفاق والعياذ بالله، كما هو المشاهد على كثير من أبناء الدنيا الراكنين إلى إخوانِ السُّلطة وذوي اليسار، المتملقين إلى إخوان الشَّياطين من أهل البدع والخلاف للمسلمين، بدعوى المعاشرة الجميلة والمخالفة الحسنة، وما هنالك في الحقيقة إلا ميل قلبي واستحسان غالب يُعاز الإيمان، وينازع عزائم حُبِّ الله

وغالباً ما تفضي هذه الحالة إلى معونة القوم ومظاهرتهم ونصرتهم وتأييدهم بالأموال وسائر أنواع التَّقوية، وربّما جَرَّتهم إلى الاستخفاف بخيار أهل الدعوة ورفض صحبتهم، وربّما جرتهم إلى ازدراء مصنفات

145

١٤٥ / ١٬٦٨٣