الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢٦٦بها في حالة النسيان لها فلا لوم عليه، فإن ذكر نهاراً وجبت المبادرة إلى الغسل وأسقطوا الكفارة عنه اتفاقاً إن جَهِلَ حكم وجوب المبادرة.
ولا حجة لمعارض بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُصبح صائماً فيغسل من جنابة من جماع من غير احتلام فإن لنا أنه يحتمل كون نسيانه لجنابته، ويحتمل أنّه أخر الغسل إلى الحد الجائز تأخير الغسل إليه فغلبه النوم حتى أصبح، ويحتمل التأخير للمعنى الذي يعارض له الخصم، وهو التأخير عمداً، فهذا الحديث من العموم والاحتمال بهذه المنزلة؛ ففسّره حديث أبي هريرة من أصبح جنباً فقد أصبح مفطراً». ثم إن الإجماع على أنّ الناسي لا لوم عليه، وبقي النظر في نفس العمد، وحديثكم محتمل، وحيث سقطت المؤاخذة بالنسيان بقيت المؤاخذة لمن تعمّد بحكم نص حديث أبي هريرة.
،
ولما جاء النص بإفطار الجنب! أصبح حَمَلْنا حديث عائشة وحديث أم سلمة على أنّ فعله ذلك لأحد المعاني التي ذكرناها، أو لأن ذلك من خصائصه، لأن قوله عام لغيره وفعله خاص به لا يتعداه إلى غيره إلا بوجوب الاتباع، وهو دليل خارج عن نفس الفعل فعلينا اتباعه في جميع أحواله إلا ما خَصَّنا فيه بحكم، فحديث أبي هريرة حكم عام يشمله ويشمل أمَّتَهُ، وفعله بحديث الزوجتين مخصص لهذا العموم، فبقيت الأمة تحت حكم العموم القولي، وصار الخاص الفعلي حكماً خاصاً به.
وادعاء كون حديثهما ناسخاً لحديث أبي هريرة باطل لأنه مُرْسَل مأمور بتبليغ أحكام الدين، فلو نسخ حكماً بحكم وَجَبَ إظهاره وإشهاره للناس ولا يمكن كتمانه؛ لم يعلم به صحابي إلى زمن مروان، وإرساله أبا بكر بن عبد الرحمن إلى أمهات المؤمنين ليسألهن ما يعلمنه عنه ليرد به على أبي هريرة، وإذا كان ما حَدَّثْن به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسخاً كما يزعم الخصم، فقد ترك أمته تعمل بمنسوخ بقية عمره وفي زمن الخلفاء الأربعة وأمهات المؤمنين في حجراتهن بين ظهراني
266