نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٣٠٥

والأصل في اشتراط التتابع حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان عليه صوم من رمضان فليَسرده، ولا يقطعه»، ولأنَّ فيه مبادرة إلى قضاء الفرض، ولأنَّ التتابع في القضاء أشبه بالأداء، ولقول عائشة رضي الله عنها: نَزَلَتْ فَعِدَّة من أيام آخر متتابعات فَسَقطتْ وعلى هذا أجمع أصحابنا، وهو مذهب علي وابن عُمَرَ

متتابعات،

والحسن البصري والنخعي وعروة بن الزبير وجابر بن زيد وأبي عبيدة

وعامة فقهائنا.

وأما مخالفونا فلم يَرُوا وُجوبَه، لكن منهم المستحب للتتابع

،

وجعلوا حديث أبي هريرة للندب، ومنهم مَنْ خَيْر بين التتابع والفصل وضَعفوا الحديث، ونسبوا عدم الوجوب إلى ابن عباس وأبي هريرة

وأنس ومعاذ ورافع بن خديج وابن جبير وغيرهم من فقهاء الأمصار. وسبب الخلاف معارضة القياس لظاهر اللفظ، وذلك أن القياس يقضي أن يكون القضاء على صفة الأداء أصله الصلاة والحج، وظاهر لفظه قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [البقرة: 184]، يقتضي إيجابَ العَدَدِ

تعيين

لا إيجاب التتابع، ولهذا قال بعضهم: أخص العِدَّة وصم كيف شئتَ. قالوا: فإن قضاه متفرقاً جاز، لأن الآية حكمت بوجوب القضاء للعدة بعدة مثلها، ولم تُفرّق بين متابعتها وفصلها. قالوا: ولأنه تتابع وَجَبَ لأجل الوقت فَسَقَطَ بفوات الوقتِ. قالوا: فإن كان عليه قضاء اليوم الأوّل فصام ونوى به اليوم الثاني فإنّه يحتمل أن يجزئه لأنَّ اليوم غير واجب، ويحتمل أن لا يجزئه لأنه نوى غير ما عليه فلم يجزئه، كما لو كان عليه عتق عن اليمين فنوى العتق عن الظهار. ورووا عن أبي عبيدة بن الجراح: إنَّ الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه؛ إن شئت فواتر، وإن شئت ففرق». وكأنه رضي الله عنه استنبط يُسْر التفريق من قوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185].

واعتبر غيره من الصحابة اليسر هنا متعلقاً برخصة الإفطار، وليس

305

١٬٥٠٢ / ١٬٦٨٣