الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٣٨٤وإذا كانت الحياة بما فيها حكم الله تعالى فطلبه زوالها عدم رضاً بالحكم، فلذلك نَهَى الشارع له عن تَمَنِّي الموت؛ روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يَتَمَنَّى أحَدُكم الموت؛ إمّا مُحْسِناً فلعله يَزْدَادُ، وإِمّا مُسيئاً فَلَعَلَّه يَسْتَعْتِبُ». وَرَدَ الحديث بصيغة النفي مراداً به النهي ليكون أبلغ في إفادة خصوصية المؤمن، بأن من شأنه انتفاءَ عَدَم الرضا بأحكام الله عنه، وأنه وإن كان محباً للقاء الله تعالى ولكنه تحت سيطرة الشرع ائتماراً وانتهاءً، فلا يقع منه ذلك بالكلية.
ولا يدخل على هذا النهي التعرّض للشهادة، فهو هنا متعرض بحكم واجب أو مندوب، وكذا لا يناقضه تَمَنّي الشهادة لأنه تَمَنّى مرضاة الله وبلوغ مثوبته، لا قصداً لصرم الأجل تعوّذاً من مشاق الدنيا. أو لأنّ المؤمن لما نُهي عنه ينتهي فأخبر عنه بالنفي، وقيل: لو ترك على الإخبار المحض لكان أولى، وليس بشيء لما يُوهم من الخلف في الخبر لكثرة وجود التمني وغيره، وحينئذ لا يقع الحديث موقع الاستدلال على الكراهة.
وقال بعض النهي عن تمني الموت وإن كان مطلقاً لكن المراد به المقيد، لما في حديث أنس: «لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه»
وقوله صلوات الله وسلامه عليه: وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي».
وعليه فالكراهة خاصة بمن يتمناه لضرّ أصابه في نفس أو مال لا بتنائه حينئذ على أساس التبرم بقضاء الله والعياذ بالله، أما إذا كانت الوفاة خيراً للعبد فلا شك في ندبيّة تمنّيها، كما هو نص في قوله: وتوفني … إلخ» كما لو خاف العبد فساداً في دينه في دينه لا محيص له عنه إلا إذا توفاه الله قبل وقوع محذوره، ولم يكن له قصد آخر غير سلامة الدين، فالمأخوذ من الحديث ندبيّة التمنّي غير معتمد فيه على علم نفسه، ولكن يعتمد في تمنّيه على شرط علم الله له الخيرة في الوفاة، والله لا تخفى عليه العواقب، فهو في الحقيقة تَمَنَّ للقاء الله على خاتمة حَسَنةٍ. والله أعلم.
384