الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٣٨٦والمستراح منه؟ فقال: «العبد المؤمنُ يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب». ولعلّ استراحة البلاد والشجر والدواب منه أن الله قد يحبس المطر لسبب فجوره، فقد تعمّ العقوبة يُجاهِرُ بها الفاجر الواحد بالمؤمن الواحد ترحم الأرض ومن عليها وما عليها. وفي حديث أنس: إن الحبارى تموت هُزالاً بذنب ابنِ آدم، وجاء أيضاً أن الحيوانات تلعن المذنبين بسبب حبس القطر عنها بذنوبهم.
الشرع
المسألة الثانية عشرة
، كما أنه
يجب على المكلف الاستعداد لما بعد الحياة الدنيا بالزاد الذي بينه فعلاً وتركاً، وأن يستشعر الغربة في الدنيا، وحقيقة هذا الاستشعار هو أن يميل عنها، أعني الدنيا، فلا يمثلها في بصيرته إلا معبراً يعبر الأحياء عليه إلى الدار الأخرى، وأنها إن كان فيها خصلة خير فهي كونها مزرعة الصالحين يزرعون في هذه الحياة القصيرة الحائلة على آفاتها ما ينتفعون به في أخراهم.
وإذا تحقق من أبصر لم يمل إليها لانتقاله عنها، ولم يتخذها وطناً، ولم يألف من مُسْتَلَذَاتِها إلا لقيمات يقمن صلبه، واعتزل أهلها ولم يخالطهم ولم ينازعهم إيَّاها، ولا يذهب عنه أنه مفارقها فيُلزمُ يَدَهُ اللازم، ولا يحدث نفسه بطول البقاء فيها، ولا يتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا يشتغل فيها إلا بمثل ما يتعلق ويشتغل به المسافر العجل في المهمة القفر. وأما حديث حبّ الوطن من «الإيمان فهو موضوع، لكن معناه صحيح إن حمل على أن الوطن المراد الجنّة، فإنها الموطن الأول
والأخير، وما بين الموطنين من فسحة فإنما هي اختبار وابتلاء. وعن عبد الله بن عُمر قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: «كن الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل أمره - والأمر عام - أن يتمثل في حياته الدنيا بالغريب عن وطنه الذي لا مسكن له، ليكون ناسكاً
في
386