الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٥٩قال القطب رضي الله عنه: «السُّنَّة: فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله وتقريره لما شهده أو أخبره عنه مَنْ يثق به من فعل أو قول أو اعتقاد أظهره صاحبه حيث قدر على الإنكار، ويطلق على ماليس بفرض من العبادة، وهي لغة الطريقة والعادة». اهـ.:
وأما الإجماع: ففي اللُّغة: العزم، قال تعالى: ﴿فَأَجْمِمُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: 71]، وقال: لا صيام لمن لم يُجمع من الليل، وأصله من الجمع الذي هو تقريب أشياء مفترقة إلى بعضها بعض، وأجمع النَّاسُ على كذا اجتمعت آراؤهم على أمرٍ واحد.
وفي الاصطلاح: اتفاق مجتهدي أمة محمّد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في عصر من الأعصار على أمرٍ من الأمور، والمراد بالاتفاق: الاشتراك في الاعتقاد أو القول أو الفعل، فخرج بالمجتهدين اتفاق العوام، فإنه لا عبرة بوفاقهم ولا بخلافهم، وكذا اتفاق بعض المجتهدين، وخرج ببعد وفاته الإجماع في عصره، فإنه لا اعتبار به، وخرج بقولهم في عصر من الأعصار ما يتوهم من أنّ المراد جميع مجتهدي الأمة في جميع الأعصار إلى يوم القيامة فهذا توهم باطل، والمراد عصر مَنْ كان من أهل الاجتهاد في الوقت الذي حدثت فيه المسألة، فلا يُعتبر بمن صار مُجْتَهِداً بعدها، وقولهم على أمر؛ يتناول الشرعيات والعقليات والعرفيات واللغويات.
وأنكر النظام من المعتزلة وبعض الرَّافضة تصوّر انعقاد الإجماع على غير الضروريات، بدليل أن انتشار أهل الإجماع في أنحاء الأرض مانع لنقل الحكم إليهم عادة، وبه يمتنع الاتفاق الذي هو فرع تساويهم في
نقل الحكم إليهم، ثم إن الاتفاق يكون إما عن قاطع وإما عن ظن ولا بد إذ لا ثالث، والإجماع مفتقر إلى ما يستند إليه، فإن كان المُستَنَدُ قاطعاً فيستحيل عدم نقله عادةً، كاستحالة تواطؤ الجَمْع على إخفائه، وحيث لم ينقل دلّ على عَدَمِه، وإن كان الإجماع عن ظنّ
159