الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٣٩٦تظهر قوة تأويل الجمهور من حملهم الوعيد على الإيصاء به، وإن لم يُفهم من ظاهر الحديث، إذ تعذيب نفس بوزر أخرى ليس من عدل الله، وحمل عُمر بن الخطاب رضي الله عنه وابنه عبد الله على النسيان أولى منه حمل الحديث على التأويل لتسلم رواية عمر من شبهة ما ظنته أم المؤمنين، ولتبقى هي على الأصل المطابق لعدل الله الناطق به الكتاب والسنة من أنّه لا يُعَذِّب الميت بوزر البكاء، وإنّما يُعذِّب بوزر
نفسه لو فُرِضَ أنَّ له سبباً في إيقاع البكاء المحرّم والنوح عليه. وقال الشافعي: إنَّ ما قالته أشبه أن يكون محفوظاً بدليل الكتاب
والسنّة؛ قال تعالى: {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) [طه: 15]. وضعف بعض الحنفية قول الشافعي هذا لقوة تأويل الجمهور. ثمّ إن الإجماع على أنّ الممنوع النوحُ ورفع الصوت بالبكاء. والله أعلم.
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من ضَرَبَ الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» أي: ليس من أهل ملّتنا وطريقتنا وسنتنا مَنْ فَعَلَ هذه الأفعال، فإنّها آثار سخط المقدور وعدم السكون لقضاء الله تعالى، ولذلك يخرج فاعلها من فسقاً، والمراد الوعيد والتغليظ الشديد، وفي معناه: طرح العمائم وتمزيق الثياب، وطرحُ الجلابيب والخُمُرِ، والتمرغ على الأضرحة
وقطع الشعور.
الملة
،
،
و دعوى الجاهلية هو القول بما لا يجوز شرعاً مما كانت تقوله
الجاهلية؛ كالدعاء بالويل والثبور، وكقول النائحة واكهفاه، واركناه واجبلاه، وامستنداه، ومافي معناه من الأقوال.
،
وأغمي على أبي موسى الأشعري فأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنّة، ثم أفاق فقال: ألم تعلمي!؟ وكان يحدّثها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بريء ممّنْ حَلَق وصَلَق وخَرَقَ وقوله: «حَلَق» أي: شعرَه أو رأسه لأجل المصيبة، وصلق فيه لغة بالسين، ومعناه رَفَعَ صوته بالبكاء
«أنا
396