الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٤٢٨والظاهر ما استظهره القطب رضي الله عنه أنّ المراد بالحديث الندب لا إيجاب الكتان، وقيل: المراد بالبيض ما لم يَسْوَدَّ خِلْقةً، ولا بالصبغ ولو صوفاً، وإنَّه لا يكفّن في غيرها إلا على الضرورة.
الله عنهما
وقد عرفت ما سبق عن الصَّدِّيق وأبي سعيد الخدري رضي أنَّ الأحياء أحق بالجُدَدِ إلا أنَّ الطهارة لا بد منها إلا لضرورة، وقد عرفتَ نَدْبَ تحسين الكفن وكراهة المغالاة به.
وقيل: إنّما ينظر في الكفن إلى حاله في الشرف وما يحتمله ماله، ولا أدري ما وجه هذا القول؛ لا يخلو هذا الشرف إما أن يكون دنيوياً فقط، فالسنة لم ترد بتمييز ذوي الأقدار فيما بعد الموتِ لأجل رفعتِهم الدنيوية، ولكن السُّنَّة بالغَتْ في النهي عن المغالاة في الأكفان لخروج ذلك إلى حد التبذير والإسراف والبذخ والترفع.
وإما أن يكون الشرف دينياً؛ فلا أشرفَ من حبيب الله وسيد الكائنات، وحسبك أنَّه كُفّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، وحسبك ما قاله الصديق وحذيفة وأبو سعيد رضي الله عنهم، وأين مَنْ يوازيهم في الشرف الديني؟
کا فوري علوم سلامي
وأما بالنظر إلى محتمل ماله فكذلك لا وجه له، لأن الميت قد يترك القناطير المقنطرة، ولكن السنة لم تأذن بالمغالاة، ولو كانت الأكفان على موازين الوُجْدِ والثروة ولم تقيّدها السنة بقيود الاقتصاد، لكفّن الأغنياء أمواتهم في نسيج الحرير والذهب، ولكن أبى الله إلا أن يكون مقام الموت والبرزخ وأحكام جهاز الموتى على حد سواء بين الدني والشريف، والوضيع والرفيع، والغني والفقير. وحسبنا ما أرشدنا إليه الشرع من أحكام التسوية بين عباد الله في جهاز موتاهم، إلا في مخصوص من الأحكام بحسب العوارض والأحوال.
وقيل: لا يُتَجاوَزُ فيه عن قيمة دينار إن وجدوه بدونه، وهذا فيه تفصيل: فقد يشترى الثوب بدينار، هو عبارة عن مقدار الريال في زماننا، فلا يكفي لكفنه بالنظر إلى الغلاء كما هو مشهود في وقتنا
428