نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٤٢٩

وقطرنا، ومع ذلك فالثياب البيض تختلف أنواعها وصفاتها؛ فإن كان نوع منها يتجاوز الريال قيمة الكفن، فليُترك ويشترى له ما هو أدنى في جودته حفظاً لمقام السُّنَّة فيه، أعني عدم المغالاة، فإن ترك الأدنى من الثياب مع كفايته إلى الثوب الأجود منه محض مغالاة، وقد ابتلي الناس بهذا؛ فتراهم يختارون للأكفان الثوب المعروف بالبفتة أرفع جودة وثمناً، ويتركون الأنواع الأخرى، وربما كان فيها الأغلظ والأولى من البفتة، ولا مخرج لهذا الصنيع من حيز المغالاة المنهي

،

وهو

،

منها، وربما بالغوا في تطييب الميت بالعطر البالغ الغاية في الثمن كدهن الورد والعود وغيرهما من نضح الأطياب المزعفرة وماء الورد، وهذا وإن وردت السنة بتطييب الميت ولكن لم تأذن بالإسراف، وكما أنَّه وَرَدَ النهي عن المغالاة في الكفن فكذلك ينسحب على المغالاة في الطيب، وحسبه من الطيب تجمير أكفانه وتحنيطه بالذراير المركبة من الصندل والورد والكافور

وما يغني جيف الموتى تضميخها بالغوالي والمسك والعنبر الأشهب، ومصيرها دوداً وصديداً، لولا أنَّ السُّنَّة الطاهرة أمرت بتطييب الموتى لحكم العقلُ بعدمه نظراً إلى المصير.

والذي يتجه لي من وجه الحكمة في الطيب هو إكرام المؤمِن، وإزالة لعفونة جثته، لئلا تظهر لحاضري جهازه، ولذلك تحقق مع موته يُكرَمُ بالمسارعة في جهازه. ويحتمل أن يكون وجه الحكمة غير

ذلك.

ولو تنجس الكفن بعد صلاتهم عليه أو قبلها غسلوه، أعني الكفن، أو غَسَلوا ما أصابته النجاسة، وأعادوا الصلاة إن كانوا صلّوا. ولو كان الكفن مُسْتَعْمَلاً طاهراً لم يُكَفَّن فيه، إلا غسيلاً لم يُلبس بعد غسله، هكذا السنة أن لا يكفن في مُسْتَعْمَل ولو طاهراً إلا بعد غسله، إلا إن لم يحتمل تأخير المَيْتِ فَلْيُكفَّنْ فيه بلاغُسل إن كان طاهراً، ولو لم يجدوا إلا ما عليه من ثوب غَسَلوه وكفّن فيه، إلا إن كان جديداً لم

429

١٬٦٢٦ / ١٬٦٨٣