الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٤٤٢لا يمضي عليها يوم كامل إلا وقد تمزقت أوصالها وصارت صديداً ودوداً يتقذر منها من ينوح عليها، فإذا كانت هذه الحالة مصير هذه الجثة فمالها ولإظهار الزينة عليها ومن حقها أن لا يُغَشِّي بها إِلا عَرَائس الحجال لا فرائس الآجال، ولكن أبَتْ هذه النفوس إلا انقياداً للهوى، وتهافتاً على الزخارف بدون اقتصار على السُّنّة الطاهرة، وإنما جَعَلت السنة للميت والجَنازة حقوقاً غير هذه السفاسف المارقة، وكفى الميت زينة أن تزين جنازته بقضاءِ حقوقه التي وَهَبَتْه إياها الشريعة المنيرة، منذ احتضاره إلى تمام دفنه، ولو فكرّ الناس لرأوا للشرع عناية عالية بأمواتهم أشرف من تصوراتهم وأعمالهم الناشئة عن الجهل أو التجاهل، ففاعل ما يفعلونه خلافاً للسنة وتقليداً للبدعة لا شك مأزور غير مأجور لا على مصيبته ولا على تشييعه ولا على شيء من الجنازة، والله المستعان على اتباعه واتباع نبيه.
أعمال
فإذا أرادوا إخراجه بعد تجهيزه وستر جنازته، قدموا رأسه منذ يخرجونه من بيته إلى إدخاله في لحده إن أمكنهم، وإلا فعلوا الممكن، كما لو صُلِّي عليه في بيته ورجله على بابه ولم يمكنهم تدويره عند الإخراج لضيق المحل، أو كفّن في بيته مثلاً ورجلاه على الباب فضاق عليهم تدويره، وإنّما يُجعَل الرأسُ مُقَدِّماً لفضله على سائر الجَسَد، وليرفقوا به إدخالاً في النعش ورفعاً وسيراً به وَحَطَّاً له وَوَضْعاً في اللحدِ، وليكن سيرهم به مُتَوَسَطاً لا تُؤَدة ولا خبيباً كخبيب اليهود، نعم إن خافوا فساده أو كان ثَمَّ عارض يلجيء إلى السرعة؛ كالرمضاء والسيل والمطر والريح والعدوّ وما كان من ضرورة.
وقال مالك: تحمل الجنازة من حيث شاء حامِلُها، ويُسْرَعُ بها لحديث: «أسرعوا بالجنائز، فإن صح الحديث رجع إلى حكمه، لكن لا يكن إسراعاً يقطع المشيعين كالشيخ والعجوز والمريض، ولا يكن مبطئاً كدبيب النصارى. ويجوز حمله في غير نعش؛ كسرير النوم واللوح والحصير وجريد
442