نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٤٥٨

المسألة السادسة والعشرون

وردت في حكمة مشروعية الصلاة على الميت وفي فضلها وفي انتفاع من يُصَلِّى عليه بها أحاديث، كلها تصرّح بأنّ موضوع هذه الصلاة شفاعة من المسلمين إلى الرحمن الرحيم أرحم الراحمين لعبده المسكين المنقطع إليه، القادم ضيفاً عليه، الرهين بمكاسب يديه، فكانت مشروعيتها باباً من أبواب رحمتِه، ووسيلةً دَلت عليها لينال بها ذلك المسكين فضلاً من عنده، وبان أنّها وبان أنها سبب من أسباب الرحمة، وصُنع من الله لعباده ينتفعون به بعد انقطاع الحيلة بمفارقة الحياة عن أعمال الخير الموصلة إليه سبحانه، وإن كان في الحقيقة مبنى الأمر على الأمور بخواتيمها، ولكن إذا دلنا الله على عمل لزم أن نعلم ونعتقد أنه لم يشرعه ويدلّ إليه عبثاً، فهذا الواجب - وهو صلاتنا على موتانا ـ لم يُشرع عبثاً، ولا هو عبادة غير معقولة المعنى، بل هي عبادة الله

أنَّ

معقولة، والمقصود بها زيادة الدرجة للبرّ، والتخفيف عن الفاجر. وقد دلّنا الله على هذه الحكمة، حيث أمر نبيه عليه الصلاة والسلام فضلاً أَنَّ يصلي على الذين خَلَطُوا عملاً صالحاً وآخَرَ سَيِّئاً؛ فقال: وَصَلَّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَتَكَ سَكَنْ لَهُمْ} [التوبة: 103]، فبين سبحانه وجة الحكمة في صلاته عليهم بأنّها سَكَن لهم، أي تسكن إليها نفوسهم، وتطمئن بها قلوبهم.

وهذه الصلاة المراد بها دعاؤه الله لهم في حياتهم، كذا رُوِيَ عن

ابن عباس، وهو معنى قوله: «اللهم صل على آل أبي أوفى». وإذا كانت صلاته للأحياء سكناً ورحمةً، فصلاته على الأموات كذلك، ودلّت مشروعية الصلاة منا على ذلك المقصود لا على أنها مجرد عبادة، ومن جهةٍ أخرى فيها الفضل العظيم للمصلين والأحاديث في الموضوع كثيرة.

منها (ح): (من صلى على جنازة فله قيراط؛ ومن تبعها حتى يقضي دفنها فله قيراطان، أحدهما أو أصغرهما مثل أحد قال أبو سلمة:

458

١٬٦٥٥ / ١٬٦٨٣