الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦٧وحكموا العادة في أشياء، كما حكموا الاستقراء واستصحاب الأصل. قلت: الدَّلائِل الشرعية أربعة هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، خامسها الاستدلال، وهو ما ليس بنص ولا إجماع
ولا قياس، والمراد به طلبُ الدَّليل ممّا لم تأت به الدَّلائل الأربع. فمن ذلك الاستدلال باستصحاب الأصل، وهو عبارة عن إبقاء ما كان على أصوله التي كان عليها من وجود أو عَدَم أو نحوهما ما لم يرد دليل ينقله عن حكم أصله إلى حكم آخر.
ومنه قياس العكس، وهو إثبات نقيض حُكم شيء لضدّ ذلك الشَّيء لِتَعاكُسِ وَصْفَيْهِما، كما في (ح): أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟!» قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟» فقد نبه الحديث على مضادّة حكم وضع الشَّهوة في الحلال لحُكم وضعها في الحرام،
فوَضْعُها فيه موجب الوزر، ووضعها في الحلال موجب للأجر. ومنه الاستقراء: وهو عبارة عن تتبع أفراد الجنس في حكم من الأحكام، فإذا وُجِدَ ذلك الحكم شاملاً لكلّ فرد من أفراد ذلك الجنس قطع بذلك الحكم على الجنس تماماً. وهو إما كامل وإما ناقص؛ فالكامل أن يستقرئ، ومعناه يتتبع المستدل جميع أفراد الجنس بحيث لا يشذ عنه فرد من أفراده غير الصُّورة المطلوب الحكم عليها فيحكم أن حكم تلك الصُّورة كحكم سائر أخواتها من أفراد الجنس، كما لو أردنا حكم شجرة هل هي نامية أم لا؟ وحيث علمنا وحكمنا أن النوع النباتي كله من الجنس النامي؛ حكمنا بكون تلك الشَّجرة نامية
:
كحكم سائر نوعها من الشجر، وكحكم سائر أفراد الجنس النامي. وأما الاستقراء الناقص فهو أن يستقرئ مثلاً المستدل أغلب عادات النساء في حيضهنّ في أقصى مدة الحَيْض، فيجد مثلاً عادتهن في أقصى مدته عشرة أيام، فيأخذ هذه العادة المأخوذة بهذا الاستقراء حكماً لحيض النساء بأن لا يزيد عن عشرة أيام، ويُعرفُ هذا الفقهاء بإلحاق الفرد بالأغلب، وهو دليل ظنّي اتفاقاً.
167