الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٧ولذلك التجأت الشَّافعية إلى التَّفرقة بين ورود الماء على النجاسة،
وورود النَّجاسة على الماء، فقالوا: إنْ وَرَدَ عليها الماء كما في حديث الأعرابي لم ينجس، وإن وردّت النَّجاسة على الماء كما في حديث أبي هريرة نجس، قيل: وهذا تحكّم، وقيل: له وجه من النظر مَعَ التَّاقُلِ، وذلك أنهم إنما صاروا إلى الإجماع على أنَّ النَّجاسة اليسيرة غير مؤثرة في الماء الكثير إذا كان يُتَوَهّم عدمُ سَرَيانِ النَّجاسة في جميع أجزائه واستحالة عينها فيه، وإذا كان ذلك كذلك فلا يبعد أنَّ قَدْراً ما من الماء لو حله قدر ما من النَّجاسة لسَرَتْ فيه ولو كان نجساً، فإذا وَرَدَ ذلك الماء على النَّجاسة جزءاً فجزءاً فمعلوم أنه تفنى عين تلك النَّجاسةِ، وتذهبُ قبل فناء ذلك الماء، فيكون آخر جزء من الماء الوارد على المحلّ مُطَهِّراً له، لأنّ نسبة آخر جزء من الماء إلى آخر جزء من بقية النّجاسة كنسبة الماء الكثير إلى القليل من النجاسة، ولذلك كان العلم يقع في هذه الحال بذهاب عين النجاسة، ولذلك أجمعوا
على أنَّ ما يُتَوَضّأ به يطهر قطرة البول الواقعة في الثوب أو البدن.
واختلفوا إذا وقعت القطرة من البول في ذلك القَدْرِ من الماء. قال القُطب رحمه الله: إن تَغَيَّر ولو بطاهر لم يجز على الراجح، يعني الوضوء، والخلاف في المذهب وغيره، ويجوز غسل النجس والاستنجاء بمتغير بطاهِرٍ خلافاً لمالك، ويجزئ في الوضوء كغيره ما تغير بطول مكث أو تراب أو زرنيخ، بجريه عليهما ما لم يتغير به لون الجَسَد، وأجيز بمتغيّر بالتُّراب، ولو أُلقي فيه وتغيّر لون الجَسَد، وبمتغيّر بطحلب أو بما كان محلاً له أو متولداً عنه ولا ينفك غالباً، فلو أنتن ماء بضفدع مات فيه، أو حوتٍ وهما منه، أو تغير لونه أو طعمه بهما جاز الوضوء به. ورُخّص في تغيير قليل وفي تغيير بما لم يطبخ
فيه.
ولم يعتبر قوم تغيّر الرَّائحة مانعاً، والصّحيح اعتباره إلا إنْ قَلّ. ولا يجوز بنجس إجماعاً، وهو ما وقع فيه شيء نجس مطلقاً، إن
177