الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٠٣الواردة في الاستجمار، للعلم بأن النَّجاسة هناك باقية، فمن أجاز القياس على ذلك استجاز قليل النَّجاسة، ولذلك حدوه بالدرهم قياساً على قدر المخرج، ومَن رأى أنّ تلك رخصة - والرُّخَصُ لا يقاس عليها - مَنَعَ ذلك.
وأما سبب استثناءِ الدَّم فهو اختلافهم في القضاء بالمقيد على المُطلق أو بالمطلق على المقيد، وذلك أنه ورد تحريم الدم مطلقاً في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخنزير} [البقرة: 173] وَرَدَ مقيداً في قوله تعالى: ﴿قُل لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزير﴾ [الأنعام: 145] فمن قضَى بالمقيد على المُطلق وهم الجمهور قال المسفوح هو النَّجس المُحَرَّم: فقط، ومَن قَضَى بالمطلق على المقيد لأنّ فيه زيادة قال: المسفوح وهو الكثير، وغير المسفوح وهو القليل، كل ذلك حرام، ويؤيد هذا أنّ كل نجس لعينه لا يتبعض، والخلاف في المذهب كغيره، لكن القياس على الدرهم متروك لا يعمل به.
ومن لواحق هذا الباب دخان النَّجس وغباره ورماده ولَهَبُهُ وجمره، سواء كان نجساً لذاته أَوْ لغَيْرِه، وريح الدبر ممّا نَجَس روثه كادمي فيها قولان الصَّحيح في الغبار والرَّماد والجمر النَّجاسة، لأنّ غبرة الشَّيء جزء لطيف منه، وصيرورة النجس جمراً أو رماداً لا يصيّره طاهراً، وهو ذات واحدة تغيّر لونها، نعم يطهر جمر ورماد ما تنجس لغيره، وكذا لهبه لزوال النَّجاسة بالنار، والصحيح طهارة الريح والدُّخان ولو ممّا نجس ذاتاً لعدم وجود ذات النجاسة فيها ولونها وطعمها، والرائحة لا يحكم على النجس بها، فلو غُسل بدن أو ثوب أو نحوهما من نجس وبقي رائحته لا تزول بالغُسل، أو مضى زمن الطَّهارة على ما يطهر بالزَّمانِ وبقيت الرَّائحة لم يحكم بنجاسته، وعلى قول من يقول بنجاسة الريح والدخان فيترتب الحكم على بقاء رائحتها بالتّوب، أو شيء غيره، أو لاقاهما ما به بلل، أو أثر لون الدُّخانِ في شيء ولو يابساً، وعلى نجاستهما فإذا دخلا على المصلي فَسَدَت صلاته
203