الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٧غسل الثوب منه، إذ لولا الوجوب لما أشار عليه بلبس ثوب طاهر غيره ليصلي به، ولقال له: أصبحت ولا وجوب للغسل، لأنه في تلك الحال مؤخّر لأعظم الفَضائل؛ وهو إقامة الصَّلاة في أول وقتها، لأجل فعل تافه مقامه دون تلك الفضيلة العُظمى بمراحل، وهو مخض نزاهة لا يُوْبَهُ لها في جنب الفضائل العالية الدينية، هذا مع تقرير الركب الذي
كانوا معه، فلماذا لم ينكروا عليه تفويت الفضيلة بمجرد غسل النطفة حكمها حكم البصاقة إن كانت مع القوم سنة بطهارة ما اعتنى بغسله
التي
إلى حد الإسفار بالصلاة!؟
ثم رفقته بالجُرُفِ، ما بالهم صلّوا معه بدلاً، بدليل أنه بعد الغسل أَذَّنَ أو أقامَ وصَلّى، ولا يكون ذلك إلا في الجماعة، فهل تكون هذه الصلاة بآذانها وإقامتها بَدَلاً عن صلاة غير واجب عليهم بَدَلها؟ كلا! ولكن مع القوم سُنّة بنجاسة المني ووجوب الغسل للثوب والبدن إذا
باشرهما، ووجوب بدل صلاة صلاها مَنْ في ثوبه أو بدنه شيء منه. ثم قول الشافعي: ولم يَسْمَع سليمان علمناه عائشة حرفاً قط من ولو رواه عنها كان مرسلاً، فنقول: كيف يتصوّر عن سليمان بن يسار، وهو من كبار التابعين في المدينة، المأخوذ عنهم الحديث والسنن وهو معاصر لعائشة رضي الله عنها معها في المدينة، وفي رواياته عنها تارة يقول: قالت عائشة.
وتارة: سمعتُ عائشة، وتارة سألتُ عائشة، ثم يقول الشافعي: لم يسمع سليمان علمناه من عائشة حرفاً قط!؛ وإنكاره لا يخلو إما أن يكون تكذيباً لسليمان في رفع هذه السُّنَّة، وإما أن يكون إنكاره مبنياً على عدم علمه بسماع سليمان منها كما هو ظاهر عبارته، فإن كان تكذيباً فلا شك أن تكذيب التّابعي الثّقة في روايته عن الصحابي قدح في عدالته، والقدح بغير حجة ولا دليل ظلم للتّابعي وعَيْتُ في السُّنَّة، وإن كان إنكاره لسماعه لأنه لم يعلمه فليست أحكام السنن موقوفة على علم الشافعي ولا غيره بعد ثبوتِ وصحة أصولها، ولو صح له تكذيبه لسليمان بن يسار في عدم سماعه من عائشة لصح للذاهبين إلى غير مذهبه
217