نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٢١

وأما المعقول الذي جعله أحَدَ الأصلين الذين فرع عليهما طهارة المني، وهو تنزيه الصَّانع الحكيم جل ثناؤه

من مادة نجسة، فهو أصل منتقض من وجوه:

من أن يخلق الخَلْق البشري

الأول: إنّ حكمة البارئ تقدّس كماله اقتضت خلق هذا الإنسان من هذه المادة القذرة المذرة الحقيرة الزَّليلة، وسمّاها سبحانه نطفة أمشاجاً، أي مختلطة بأنواع من المواد الجسمية الحيوانية، لتكون باختلاطها بتلك المواد المشاكلة لها في المهانة والقذارة أدخل في الذلة والحقارة، وسمّاها في عدة مواضع من كتابه: ماءً مَهِيناً، وسَماها: منياً يُمْنَى، أي يُدْفَقُ في الرَّحِم، ولم يصف سبحانه في كتابه مادةً نجسةً بمثل هذه الأوصاف الدالة على الحقارة البالغة أسفل المنازِلِ من الضّعة والهون، ولا تعبد العباد بالغسل العام للجَسَد بسبب خروج أتي فضلة من فضلات الإنسان التي تعبده بتطهيرها غير هذه الفضلة، حتى أنه تعبدهم بالغسل بسبب التقاء الختانين وبغيبوبة الحشفة في أي فرج، في ذلك من مَظِنّةِ مظنة خروجها بدون شعورٍ من الإنسان، فأوجب عليه الغسل العام ولو بدون يقين الإنسان باندفاقها منه، حباً منه سبحانه لطهارة عبده، لأنّه يحب التَّوَّابين ويحبّ المتطهرين، وتنزيهاً لعبده من ملابسة هذا القَذَرِ الخَسيس.

لما

هو

أليس في هذه القرائن المعقولة ما يدفع بهذه المادة إلى حيز النجاسات المفترض تطهيرها!؟ بل إخراجها من أحكام الطاهرات أليق بحكمة الله التي أودعها في إنشاء خلاصة الموجودات والعالم الأصغر ليُظهر نعمته الجليلة على هذا المخلوق البديع، ويعرفه بمبدأ حدوثه وتنقيله إياه من طور تلك المهانة والذُّلة إلى طور آخر، وإلى طور آخر، وإلى وإلى .. … ، حتى صار في أحسن تقويم في الشكل والصورة، وحتى ركب فيه العقل الذي لم يخلق الله خلقاً أحب إليه

منه.

وإذا كانت نشأة هذا المخلوق البديع من ذلك المبدأ المهين الوضيع

221

٢٢١ / ١٬٦٨٣