نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٨٣

الوضع) ولفظه وروي عن أبي ذر الغفاري قال: أقبل عشرة من أحبار اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد لم أَمر الله تعالى بالغسل من الجنابة، ولم يأمر بالغسل من البول والغائط، وهما أقذر من النطفة؟ فقال لهم النبي عليه السلام: إن آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة، تجولت في عُرُوقه عُرُوقه، فإذا جامع الإنسان نزل من أصل كل شعرة جنابة، فافترضه الله عليّ وعلى أُمّتي تطهيراً وتكفيراً، وشكراً لما أنعم الله عليهم من اللذات التي يصيبونها قالوا: صدقت يا محمد.

الحديث.

قال القطب فيه: كيف يكون شكراً مع أنه تكفير؟ وأي تكفير مع أنه لا ذنب لنا والذنب لآدَمَ وقد غفر الله له؟. اهـ. كلامه.

أقول: لعلّ الحديث لم يصح مع القطب فجرحه بما ترى، وإلا فلو صخ معه لكان يحمله على تأويل حسن، فيمكن أن يُحمل على أن الغُسْل من الجنابة بلغ من الفضل والثواب درجة ثواب الأعمال المكفّرة للخطيئة التي ذكرها إن لو كنا مقارفين لها، أو أنه يكفر ذنوب المخالفات التي تكون بمثابة تلك المعصية في العظم والفظاعة، ويكون فعل الغسل أيضاً كفارةً للخطيئة التي تشبه خطيئة آدَمَ في كبرها من جهة، وبمثابة شكر النعمة على لذة الباءة التي ركبها فيه من جهة، أي ثواب الغسل يكون في كثرته بمثابة ثواب الشاكر على تلك النعمة، ولما كان فعل الغسل سبباً لثواب بلغ مبلغ أن يكون مكفّراً لخطئية عظيمة كتلك الخطيئة المغفورة لآدم، ولثواب بلغ مبلغ ثواب الشاكر، سُمِّي كفارة وشكراً من تسمية المُسَببِ باسم السبب، وكيف لا يكون ثوابه عظيماً والجنابة سريرة المؤمن بينه وبين ربّه، وله بكل قطرة عتق رقبة.

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بني إذا أردت الغسل من الجنابة فبالغ فيه فإن تحت كل شعرة جنابة فقلت: يا رسول الله وكيف أبالغ فيه؟ قال: «رَوِّ أُصُولَ الشَّعَرِ، وأَنْقِ بُشْرَتك: حتى تخرج من مغتسلك وقد غفر لك كل ذنب.

283

٢٨٣ / ١٬٦٨٣