نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٩٢

كما

لا غسل إلا بإنزال، وهو عليه السلام أشد الناس حَيَاءٌ، وأبعدهم عن سخافة الأخلاق، وأوسعهم كرماً في النفس والأفعال والأقوال، فأجاب سائله بما يفعله، ولم يكتف بذكر الحكم تأكيداً لحتم الحكم، لأنه عليه السلام مُعَلِّم عن الله أحكام شرعِهِ، فيؤكد الحكم بضروب من التأكيد، حتى لا يبقى للسامع محل للظن، ولا في الحكم مغرس للاحتمال، ويُوطِد لعائشة بعده أمر الإرشاد، ويفتح لها باب التعاليم لأبنائها المؤمنين، فلا يمنعها ما يمنع النساء من الحياء في فتاواها الدينية، وكذلك كانت رضي الله عنها تُسْتَفْتَى وتفتي، وإن جبينها ليتصبب عرقاً من شدة الحياء، فلا يمنعها ذلك من بث المعارف الإسلامية، وناهيك بعائشة ونبوغها في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فترى أنه أفتى بوجوب الغسل في الإكسال إذا التقى الختانان، صرح به عن فعل نفسه، فلماذا يُجعَل هذا الحكم القطعي بدرجة حكم النطفة الميتة التي لم يأت فيها بعينها نص صريح؟ فكأن مأخذ الحكمين فيها الغسل على الصحيح، وعَدَمُ الغسل على القول الثاني من التأويل فقط، وأما الإكسال فالحكم بالغسل منه منصوص عليه فعلاً وقولاً، وعبارة المص في النظم كما ترى: والنطفة الميتة والإكسال على الصحيح فيهما اغتسال مشعرة بوجود الخلاف في الإكسال، وأنت أن حديث: «الماء وأنت خبير من الماء قد نُسِخ حُكمُهُ بإقرار وبيان من راويه أبي بن كعب رضي الله عنه، وراويه الثاني رافع بن خديج، مع أن بعضاً حَمَلَه على الاحتلام إذا رأى الشخص جماعاً في منامه ولم يجد بللاً حين استيقظ فلا غسل عليه، لأنّ ماءَ الغسل يلزم من ماء المني، ولا مني هناك فلا غسل. فإن كان مراد المص رحمه الله بالإكسال هو ما سئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد حكم فيه بالغسل، ولا يتصوّر هذا الإكسال إلا بالتقاء الختانين والتفاؤهما أحد الموجبين للغُسل، كما هو صريح (المص) رحمه الله هنا في قوله: ويجب الغسلُ من الجنابة بسَبَبَيْنِ فَاعِفَنْ أَسْبَابَه

292

٢٩٢ / ١٬٦٨٣