الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٤٦،
وإن سلَّمنا أنَّ الربيع وحده مُتَأوّل فقد صادف تأويله وجهَةً حسنة، دليلها ليس بأقل قوة من دليل جعل الأذنين من الرأس، وأيضاً من مُحَسَّناتِ استحباب الربيع الخروج من الاختلاف، فإن كان باطنهما من الوجه فقد مسحهما معه كما قيل، وإن كان ظاهرهما من الرأس فقد مَسَحَهما معه، وإن كانتا مستقلَّتين فقد أتى عليهما مسحاً، ولا بأس بتجزئتهما: باطنهما مع الوجه، فظاهرهما مع الرأس، فتلك التجزئة مراعاة منه للخروج من الخلاف، وتَحَرَّ الأفضلية الأحب إلى الشارع،
وهذه المراعاة وهذا التحري أعظم درجةً في الفضل من الموالاة. وإن كانت سُنَّةً على أنَّ هذا من فعل ابن عمر في وجه، وأخذ من كونهما من الرأس إن صح الحديث من وَجْهِ، وجمع للتجديد والمَسْحِ من وجه نعم قد يَرِدُ على هذا أنه لم يعرف في الشرع جمع عضو واحد بالغُسل والمسح إنْ فُسِّر مَسْحُ الربيع إيَّاهما باطناً مع الوجه بالغسل الخفيف، فهذا لا يرد على قول الربيع، لأن مراده بالمسح هو المسح الحقيقي لا المجاز عن الغسل، وهذا الإيراد إنما يتصور على قول ابن حجر بأولوية غسلهما مع الوجه، ومسحهما مع الرأس، إذ وجود المسح بعد الغسل عَبَتْ ظاهر.
أما الربيع فإنه محافظ على أنهما جارحتان مَمْسُوحَنَان، فاعتبر قول ابن عباس باستقلالهما من جهة تخصيصهما بالمسح مثل الرأس، واعتبر من قول ابن عمر بأنَّهما من الوجه، يُغسلان مَعَه، مَسْحَ المواجه منهما مع غسل الوجه، واعتبر ظاهرهما من الرأس فمسحه معه، فاندفع الإيراد.
ومم يجب اعتباره: إِنَّ الدلائل المتنازعة هنا ليست خفيّة، ولا ما ينازع دليل كونهما من الرأس مجرَّحاً بالضعف، بل كان دليلهما مجرحاً كما ترى فيما قدمناه، هذا ما ظهر لي من تحرير مذهب الربيع و مُخبر رَحِمَهُما الله. والله أعلم. على أن العمل على استقلالهما بوضوء يجدد له الماء ثلاثاً كسائر
346