الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٧٠وكانوا أَصْدَقَ وَرَعاً وأرسخ يقيناً، وكانوا لا يلطمون وجُوهَهم بالماء.
اهـ.
ومقتضى الحديث أَنَّ لِوَسْوَسَةِ الوُضوءِ شيطاناً خاصاً له، اسمه الولهان بفتحتين، مصدر وَلِهَ يَوْلَهُ، والوله: ذهابُ العقل والتحير من نحو وَجْدٍ وعشق، فلعل وجه التسمية شدة حرص ذلك اللعين على طلب الوسوسة في الوضوء، وشدة الحرص هي الَّتِي صَيَّرَتْهُ في الوَلَه أو لأنَّ وسواسه في صدر المتوضئ أوقع المتوضئ في مَهْوَاة الحيرة، فلا يدري كيف لعب به الشيطان وتركه على غير يقين وثقة، هل وصل الماء إلى العُضو، أو لا؟! وكم مرَّة غَسَلَهُ؟! وهل الماء طاهر أو نجس؟! وهل عَمَّ الماءُ الجارحة أم لم يعمَّها؟ فيتردد بين هذه الأودية والمهاوي، وبهذا المعنى فتسميته الولهان يحتمل كونه بمعنى اسم الفاعل، ويحتمل إبقاءه على معنى المصدرية للمبالغة، كما يقال: رَجُلٌ عَدْلٌ.
وفي مسند الربيع على إثر هذه الرواية، قال الربيع: وإنما قيل له: الولهان لأنه يُلهي النفوس وأنت خبير أن مادة وَلِهَ يَوْلَهُ غير مادة أَلْهَاهُ يُلْهِيهِ إِلهاء فهو مُلهِ، ولا تَنَاسُبَ بين المادَّتَيْنِ، ومثل الربيع لا يجهل هذا، ولا يقال في حقه أنَّه اجتهد في استخراج الوجه المناسب، ولكن الأنسب أن يقال: إنه قال ذلك عن نقل عنده، ومع صحة النقل فلا محيص عن التسليم، أو يقال: إنه أراد أنَّ هذا الشيطانَ يُوَلِّه النفوس حتى يُلهيها بالوَلَهِ، أي: يُشغلها به، أو يقال: إِنَّ الربيع قال: لأنه يُوَلَّهُ النفوس، فَصَعَّفَها الكتَّابُ إلى يُلْهِي، فيكون الولهان بسكون اللام اسم فاعل من فعل مُتَعَدَّ، وهذا أليق وأولى بدرجة الربيع من حمله على تفسير هذا الاسم بما لا تعرفه العرب في لسانها.
ثم إن موضوع الحديث التحذيرُ من متابعة هذا الشيطان المحير للإنسان، المشغل له في أمر وظيفة الوضوء، حتى يحمل المتوضّى على أن لا يرضى بما رضي به سيّد المرسلين عليه وعليهم صوات الله
370