الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٨وحمله في النظم على المبالغة في تعظيم العلم تسهيلاً للخطب». لفظ التعليق.
انتهى
وأقول: كون داود عليه السلام لم يصح عنه أنه فعل ذلك لا يكون علة لنفي الرّواية، وإنما ينظر في صحة الرّواية وعدم صحتها من جهة ما تعلَّلُ به الروايات، فإذا كانت الرواية في نفسها صحيحة وجب علينا الجزم بفعل ما أُمِرَ به حتماً، ولا عبرة بعدم ثبوت الفعل بالنسبة إلى اطلاعنا ولعله أمر به فنسخ عنه، أو لعله أمر بطلب العلم المفترض عليه بتلك الحالة الشاقة إلى حدّ حصوله، فحصل له بدونها. والتغييء بانخراق نعل الحديد، وانكسار العصا من الحديث كناية عن الجد في السَّعي والدَّأب فيه، ومن لازم المسافر الماشي اتخاذ النعال وغيرها من عدة السفر، فكنى باللازم عن الملزوم، والمراد نفس الجد والدأب في تحصيل علم ما لم يعلمه ممّا كلف به وهذا فرض على كل مكلف فيما لزمه أن يعلمه من التكاليف الإلهية مما لا يقوم به الحجة من العَقْل فلا يكون داود مخصوصاً به على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام.
وليس الخطاب هنا بنفس اتخاذ النَّعْل والعصا، وإنما الخطاب بملزومها، إذ لو فرضنا حصول العلم قبل انخراق النعل وإنكسار العصا، لم يبق لغاية الانخراق والانكسار فائدة لحصول أداء الفرض بدونهما. وكذا لو فرضنا أنه طلب العلم حتى انخرق النعلان، وانكسر العصا، ولم يحصل على العمل فهل يبطل فرض الطلب بعد انخراقها وانكسار العصا، ويرتفع التكليف؟
والحال أنه لا يرتفع التكليف إلا بالوقوع في حالة لا يستطيع معها أداءه، وإلا فلا حدّ إلا الأداء، وبالجملة فإن كانت الرواية من طريق غير معلولة فمفادها معقول، وهو الأمر بالجدّ في إدراك العلم اللازم والله أعلم. اهـ.
ص وبالجملة فطلب العلم أفضل الأعمال ممّا عدا الفرائض، يرفع الله بالعلم أقواماً ويجعلهم في الخير قادةً، يبلغ به العبد منازل الأحرار
38