الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٩ومجالس الملوك، والجهل أعظم النقائص وأفضع الرذائل، يخفض الشَّريف النَّسب العالي الحسب، والعلم أبقى ذخراً مِنْ ذخائر الفضة، وهو الأنيس في الوحدة والصاحب في الغربة.
والذهب
وقال بعض العلماء: إن الأغنياء جمعوا المال ألفاً ألفاً، وجمعنا العلم حرفاً حرفاً، ولو أعطوننا ألفاً بحرف لم نرض بالبدل، ولم نقتنع بالقيمة، وكيف يستبدل فان بباق؟! والمال ينفد بالإنفاق، والعلم ينمو بالبذل، وأنفعه الراسخ في الأذهان والأفئدة، وشره ما لم يتجاوز اللسان، والفيهقة ثمرة العجب ونتيجة الكبر ومنابع العلم العقول، وحسب اللسان ترجمته عما يفيضه العقل في حل مشكل وإبراز حقيقة وتفصيل مُجمَل، وهداية ضال وإرشاد غاو، فلا يتجاوز وظيفته، ولا يقطع عنان الآداب الشرعية فيغير ويُنجد في التَّباذخ والترفع وحبّ الأنانية بطراً بنعمة العلم.
والعلم والجهل ضدان لا يجتمعان في قلب، فطوبى لمن امتلأ علماً ورغب إلى الله تعالى به. وأفضل العلم ما أوصل إلى الله وأضره الحاجب عنه المُقعِد عن رضوانه، فلا وصول إليه سبحانه إلا بخطوات العمل بالعلم، ولا يُقعِدُ العلم عن بلوغ الرّضوان إلا بخطوات ترك العمل وانتهاك المحظور، وهذا اقتناع بشجرة العلم دون ثمرته، ولقد دَبَّ إلى طلبة العلم داء عُضَال وهو المباهاة، وبلوغ الحظوة الدنيوية والتصدر مع العظماء، والتَّربع في مجالس العلم، وهذه الحالة والعياذ بالله لصوصية يعجز عنها حذق الشراق وشطارة المتحيلين، بَلْهُ اتخاذ الكبراء الظُّلمة إياهم ذريعة للظلم والغشم وحجة يقوون بها على الفساد، وعدة على الإقدام على الرَّغائب المحجورة، فالويل لِلْمَوء وفِينَ بهذه الآفة المهلكة.
فيا أخي: لا تطلب العلم للجاه الدُّنيوي والمباهاة لأهله، فمشروعية العلم لأجل العمل والإخلاص به لوجه الله سبحانه، فإن صرف لغير الوجه المشروع لأجله كان الجهل أحسن حالاً منه، وكان صارفه أشد
39