نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٨٧

وبالجملة: فعلى هذا القول فالدم غير الفائض من جرحه غير مُفسِد للوضوء بقي أو زال، إلا إن غيّر الماء الجاري عليه، فانظر كيف فَسَدَ الماء وانتقض به الوضوء إذا تغير بذلك الدم، ولا يفسد الدَّمُ نفسه ولا ينقض الوضوء حال كونه غير فائض، على قول هذا القائل. وعليه: فلا فرق إِنْ مَسَّتْ النجاسَةُ جارحة وضوء أو غيرها، وعلى هذا حمل الرواية للأثر عن محبوب رحمه الله تعالى، ووجه التخصيص بغسل الغير، أو بنحو حَجَرٍ، أنه لو غسله بيد نفسه كان وضوؤه في حكم الوضوء السابق، ثم طَرَأتْ عليه النجاسة، أما إذ لم يباشرها بيد نفسه، وإنما باشَرَ غسلها غيره، أو باشرها مُزيل مثل حجر، كان وضوؤه في حكم الطارئ على سابق النجاسة.

وعليه: فلا يَبْعُد تمام الوضوء ولو باشر غسلها بيد نفسه، لأنا إذا أثبتناها غير مُفسِدة بوقوعها في جارحة وضوء أو غيرها، فبحكم تلك المُماسَّة منها لجارحة الوضوء أو غيرها من سائر البدن، فلا فرق بين ما لَحِفَتْهُ ومَسَّتْهُ، وبين ما يغسلها به من أجزاء بدنه، وبزوال النجس تتم الطهارة، ويتم الوضوء، ولا يضره مماسة نجس لجارحة وضوء أو غيرها، لغسل ولا غير غسل، بل الغسل أولى بالسَّعَةِ، وإذا لم يفسد الوضوء بمماشة النجاسة من وجه، لم يفسد من وجهين، وهلم جرا.

وبثبوت هذا في موضع واحد من البَدَن ثبت أيضاً في أكثر، وإذا لم يثبت الكل لم يثبت الجزء، وبالعكس، وإذا لم يثبت في جارحة وضوء لم يثبت في غيرها، وإذا لم يثبت في شيء من ذلك ولو غسله له غيره، أو غسله بغير يد نفسه، أو غَسَله في ماء جارٍ، فهذه الأشياء كلها بعضها من بعض، فإذا ثبت فيها معنى هذين الأمرين، وهذا القول أَثْبَتَ هذه المعاني كُلَّها، وإن بطل شيء من هذه المعاني بَطَلَ هذا الأثَرُ، ومع ثبوت هذا الأثر بمعناه فيتولد من معانيه وأسبابه معي لما أنّه إذا قام المصلّي إلى الصلاة طاهراً من النجاسات، فقد ثبت له حكم الوضوء، بمعنى العمل بإجراء الغُسْلِ على مواضع الوضوء، تقدّم

387

٣٨٧ / ١٬٦٨٣