الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٩٨وما رواه إلى أبي هريرة أنه توضأ على المسجد فقال: إنما أَتَوَضَّاً من أثوار أقط أكلتُها، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «توضؤوا مما
مست النار.
وما رواه إلى عروة، سمعت عائشة تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: توضأوا ممّا مَسَّتْ النار»، فنقول كل ذلك وقع منه عليه الصلاة والسلام ثم تركه، والمراد وضوء الصلاة، تدلّ له عامة الأحاديث الناسخة والمنسوخة، وخصوصاً حديث المغيرة.
وقد تمسك الزهري بإخبار رجالٍ من الصحابة، ونساء من أزواجه عنه عليه السلام، أنه أمر بالوضوء ممّا مَسَّتْهُ النارُ، وأنه ناسخ لأحاديث الإباحة، إذ الأصلُ سَبْقُ الإباحة، ويُبطله حديث جابر: «كان آخِرُ الأمرين من رسول الله لا ترك الوضوء ممّا مَسَّتْ النار»، رواه أبو داود والنسائي وغيرهما، وصححه ابن خزيمة وابنُ حَبَّان وغيرهما، لكن قال أبو داود وغيره: إن المراد بالأمر هو الشأن والقصة لا مقابل النهي، وأَنَّ هذا الأمر مختصر من حديث جابر المشهور في قصة المرأة التي صَنَعَت للنبي شاة فَأَكَل منها، ثم توضأ وصلّى الظهر، ثم أكل منها وصلّى العصر ولم يتوضأ فيحتمل أن تكون هذه القصة وَقَعَتْ قبل الأمر بالوضوء ممّا مَسَّتْ النارُ، وأنّ وضوءه لصلاة الظهر كان عن حدث لا بسبب الأكل من الشاة. كذا ذكره ابن حَجَر.
،
،
وأقول: ما ذكره من الاحتمال مندفع بحديث المغيرة بن شعبة، وفيه البيان الجليّ من قوله عليه السلام: ليس في نفسي عليه إلا خير، ولكنّه أتاني بماء لأتوضأ، وإنّما أكلتُ طعاماً، ولو فعلت ذلك لفَعَله الناس، فيشق ذلك عليهم ولو سلمنا احتمال ظهور عدم المشقة ذلك فأمر بالوضوء، لم يساعدنا فعل الخلفاء الراشدين بعده، فيترجح جانب ما عَمِلوا به، وهو ترك الوضوء.
بعد
قال النووي: كان الخلاف فيه معروفاً بين الصحابة والتابعين، ثم
398