الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٣الأستاذ والاستخفاف بحقه، وإن وجد في نفسه جودة الذكاء وسرعة الفهم وحدة الذهن وقوة الإرادة ونورانية العقل وصِحةَ الرَّأي، فإنه من باب التعنّت له، والاعتراض عليه إزراء به، وهذه أعظم مصائب العلماء، وأشدّ انعكاس حظوظهم وأقبح سلوك التلمذة، والأخذ والتَّحصيل، قال حكيم:
وإنّ عَنَاءً أنْ تُعَلِّمَ جَاهِلا فيحسب جهلاً أنّه منك أعْلَمُ متى يبلغ البنيان يوماً تَمَامَهُ إذا كنت تبنيه وغيرك يَهدِمُ متى ينتهي عن سيء من أتى به إذا لم يكن منه عليه التندم هذا على أنه قد قارَبَ أن يجتمع ويتفق الحكماء على ترجيح حق الأستاذ على حق الوالد، قال بعضهم: يا فاخراً للشفاه بالسلف وتاركا لِلْعَلاء والشَّرَفِ آباء أجسادناهُمُ سَبَبٌ لأن جعلنا عرائض التَّلَفِ مَنْ عَلّم النَّاسَ كان خيرَ أَبِ ذاك أبو الرُّوح لا أبو الجيف وهذا غلوّ عظيم في هضم حق الوالد، وقد ولع بهذا المذهب كثير ممن لهم ميل إلى الإلحاد والزندقة والانتقاد على سُنَن الله في العالم بن سليمان المعرّي وأضرابه أخزاهم الله، والحقيقة أن الله لم يُعَظِّمْ حَقا بعد حقه وحقِّ رُسُله مثل حق الوالدين، مع أنه سبحانه قد بين موضع هدم حق الوالدين بقوله: وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} [العنكبوت: 8].
كأحمد
ومع
ذلك فإنه أمر أن يصاحبهما في الدُّنيا معروفاً، وقد ورد في الكتاب والسُّنة تعظيمهما وتوقيرهما ووجوب طاعتهما إلا في معصية الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وما ذنب الوالد المسكين وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً إذا كان مصير ولده جيفة ورفاتاً، وذلك المصير مشترك بينهما، ولو كان تناسل البشر محذوراً من أجل هذا المصير إذا لتسلسلت الجناية وارتفعت الخطيئة إلى الأب الأول صفي الله ونبيه آدَمَ عليه السلام، وإذن سار
43