الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٣٨وبهذا يزول الإشكال الموهم التناقض في كلامه رحمه الله، أعني
بين فتواه بنقض الوضوء بذكر البول، وعدم نقضه بذكر لفظة النيك مع أنها أقبح فَتَفَطَّنْ.
ومن
،
هذا القبيل؛ سؤال قُبَيْصَة بن نهارٍ لمحمد بن عبد الله بن جسّاس عن ذكر الخَبَث باسمه؟ قال: لا ينقض حتى يذكر عذرة رجل باسمه وعن أبي سعيد: ينتقض وضوء من سَمَّى ذَكَر رجل بالزاي والباء، قال: ويلحقه الاختلاف في جملة ما اختلفوا فيه من نقض المعاصي وعَدَم نقضها للوضوء، فالظاهر من كلامه أنه يدخل في حيّز المعاصي ذِكْرُ هذه اللفظة مضافةً، لما فيها من الفحش على مَنْ أضيفت إليه، وإذا ثبت ذلك معصية ثبت الخلاف، لكن ليس جريان اللفظة مطلقاً على اللسان معصية، إلا إذا أريد بها معنى محجوراً كما قدمناه، ونظيره ما في الأثر لو قال لرجل: أنتَ بُلْتَ هنا؟ فقال الآخر: نعم، فلا ينتقض وضوؤه إلا أَن يريد شتمه، فَتَرى تَرَتُب الحكم على إرادة الشتم لا على
مجرد السؤال.
وهذا مَذهَبُ أبي عليّ ومحمد بن المسبح ومحمد بن عُمر وغيرهم، وأما بناءً على قاعدة الربيع فإنّ منهم من يقول: إن الكلمة الخبيثة كذكر عورات الآدميين وما يخرج منها، وعورات الدواب بأقبح الأسماء وما خرج منها، ولو لم يرد بها شتماً أنها ناقضة للوضوء، ولا يَرِدُ على هذا المذهب ما قَدَّمْتُه على ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة رجم ماعز بن مالك، ولا ما جاء عنه عليه السلام من قوله: «العينان وكاءُ السَّه، ولا قوله عليه السلام: إنّ الله لا يستحي من الحق؛ مَنْ فَسَا فَلْيَتَوَضَّأ وليُعد الصلاة». فإنه شارع، وذكره هذه الألفاظ الصريحة
دون ما يكفي عنها من الكنايات عناية منه عليه السلام ببيان التشريع. فلا يجوز عليه أنه نطق بالعوراء من الكلام، والخبيثة من القول، وإن كانت الكلمة في أصلها عوراء، لكن حَسَّنها المقصد الشرعي، وطهرتها النزاهة المحمدية، فلو تكلم بها العالم مثلاً في
438