الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٤٤ضحك
» الحديث، وقولُ ابن المنذر أنهم خالفوا القياس، يدفعه الحديث مسنداً ومرسلاً، ومحاشاة الصحابة مدفوعة بأن الطوارئ تقهر الاختيار كالبكاء والتثاؤب، فالأولى محاشاتهم عن ضحك الخفة والسفه لا عن غالب الطباع، ولعل المصلين خلفه فيهم المنافق والسفيه والجاهل، فكان الضحك منهم لا من الذين تجب محاشاتهم من ذلك بين يدي الله وخلف رسوله عليه السلام.
ولو قلنا بصدور الضَحِك من الخيار، فلا تثريب عليهم بطارئ غلب الاختيار، لأنهم رضي الله عنهم بَشَرٌ من البَشَر، على أنه تَعَقب ذلك حكم الشارع بفساد تلك الصلاة مع وضوئها، ولم يُلاحظ فيه وقوعه من سفيه ولا ذي بصيرة، ولا وقوعه اختياراً ولا غلبة، بل رتب الحكم وضعاً مهما كان السببُ سَداً للذريعة، ولهذه الملاحظة قال بعض الحنفية: إن هذا الحكم عقوبة بقطع النظر عن كون الضحك حَدَثاً أو غير حَدَثٍ، وفيه أنّ العقوبة تترتب على الإثم، وما كان عن غلبة الطارئ لا عقاب عليه، إذ لا إثم به، فالأولى أنه حَدَتْ ناقض كالأحداث،، ولا يبعد أن الشارع أَنْزَلَه منزلة الأحداث زجراً عن الاسترسال إلى الخواطر التي لا تلائم مقام الخشوع المراد شرعاً في الصلاة، وحَنّاً على التحفظ عن الالتفات عن واجبات العبودية في مقام المثول بين يدي الله سبحانه، وتوقيفاً للمكلّفين على حدودِ الإحسان الذي بينه الشارع بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فلا نقص على أولئك الأبرار، إذا أَثارت عليهم رياح الأقدارِ، ذَرَّاتٍ من غُبارِ الأغيار، ولا أن تصدر منهم جنحة الفطرة، فقلما تَضَفُو نفس
من خطرة.
وعلى مثل هذه الوقائع، تَتَرتَّبُ آداب الشرائع، حتى لو فُرِضَ الضَّحِكُ في الصلاة من الكبائر، فليسوا رضي الله عنهم من عصمة النبوة في حظائر، وإن استعصمنا بحُسن الظنّ اللائق، فربما كان الضاحك جاهل أو منافق، ولا يدع من ثمرات الجهل وآثاره، أن تَتَصَوَّرَ هذه المكاره، فقد بال الأعرابي في المسجد، وهو عليه السلام
444