الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٤٦قلنا: إن الشارع أعلم بحكمة التشريع؛ فَلَعَلَّ في القهقهة في الصلاة ما ليس في غيرها من نواقض الصلاة، وما علينا أن نعلم علمه بحكمة الشرع إلا ما علمناه من بيانه، فهو أعلم بالسبب الموجب للتخصيص وعلينا اتباع ما جاءنا به من التنصيص، ثم إنّ العِلل الشرعية قد تَطَّرِدُ وتنعكس، وقد لا تطرد ولا تنعكس، ألا ترون أن النوم اضطجاعاً ينقض الطهارة ولا ينقضها قعوداً، والنوم سجوداً في غير الصلاة ينقض الطهارة، وفي الصلاة لا ينقضها، فما بال السبب عام والحكم غير مُطَردٍ في سائر هيئات النائم؟ فَإِذَنْ فساد الطهارة مع الصلاة بالقهقهة سنة قائمة مستقلة مُتَّبَعَة، خاطبنا بها الشرعُ كسائر السنن، لا تقاس على غيرها ولا تُحْمَلُ على ما تشترك فيه سَبَباً وعِلَّةً مع نظائرها.
ومن أصولِ مالك أنْ لا يُفسِدَ الصلاة والطهارة إلا حَدَتْ متفق عليه، بناءً عليه لم يَرَ فساد الطهارة والصلاة بالقلس والقيء والرعاف والقهقة، ورأى فَسَادَ الطهارة لواجد الماء، ولكن إن حَدَث الماء له في حال صلاته بالتيمم لم يرَ عليه قطع صلاته، مع أن تيمّمه منتقض بوجود الماء، كما لو وجده قبل الصلاة أو بعدها، فتراه جَعَل وجود الماء للمتيمّمِ حَدَثاً ناقضاً للطهارة، وليس هو بحدث مجتمع عليه، فإذا كان مالك يمتنع من إفساد الطهارة والصلاة بالقهقهة لأنها حدث غير
مجتمع عليه، فما باله أفسد الطهارة بوجود الماء وهو حدث لم يجتمع
،
عليه؟ وما باله أبقى للمتيمِّمِ صلاته إن وجد الماءَ فيها وأفْسَدَ طهارته والحال أنه لا صلاة إلا بطهور؟ ولا حجّة لمالك والشافعي وداود في وجود الماء بعد التيمم قبل الصلاة وبعدها حَدَثُ رافع للطهارة، لكنها تثبت غير مرتفعة به في وجوده في حال الصلاة، إذ لا يُعْقَلُ حَدَتْ واحدٌ في نفسه يرفع الطهارة في حال، ولا يرفعها في حال إلا ببيان من
الشارع.
وهذا القياس - أعنى أَن يُوجد شيء واحد لا ينقض الطهارة في الصلاة وينقضها في غير الصلاة - يلزمهم هنا كما ألزمونا إياه في
446