الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٥٥بحجةِ أنَّ الخاص على خصوصه حتى تقوم دلالة عمومه، والشافعي يرجح مذهبه بحجة الاتفاق على إيجاب الوضوء من الريح السُفْلَى، وعدم وجوبه بخروجها من الفم، فظهر أن تعلق الحكم بالمخرج لا الخارج، وحجته واهية جداً من طريق القياس ومن السُّنَّةِ.
أما القياس فشتان ما بين الريحين لاختلافهما في الصفة والرائحة، وأما السنة فقد تكاثرت الأحاديث في وجوب الوضوء منها، وتَعَقَّبَ السنة الإجماع، وليس في القياس، ولا في السنة ولا الإجماع ما يُفهم دلالة على تعلق الحكم في الريح بجهة المخرج لا بذات الريح نفسها، وبهذا يظهر أن مقصود الشرع هو الخارج النجس وما في حكمه من الإفساد كالريح، بحجة أن النجاسة مؤثرة لنقض الطهارة لذاتها لا باعتبار مخرجها، وطهارة الوضوء طهارة حكمية شبيهة بالطهارة المعنوية، أعني تطهير الأنجاس المحسوسة، فكما أن الطهارة المعنوية تزول بورود النجاسة عليها، كذلك الطهارة الحكمية تضمحل وتنتقض بورود الأنجاس عليها.
ومن حجّتنا حديث ثوبان أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قاءَ فتوضاً، والأثر عن عمر وابن عمر أنهما أوجبا الوضوء من الرُّعاف، والأمر الوارد عنه عليه السلام للمستحاضة بالوضوء لِكُلّ صلاة، فكان المفهوم من هذا كله نجاسة الخارج، ورواية جابر بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن قاءَ أو فَلَسَ فليتوضأ وتقييد الحنفية نجاسة القيء بملئ الفم لا دليل عليه، وروايته من طريق ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القيء والرعافُ لا ينقضان الصلاة فإذا انفَلَتَ المصلي بهما توضأ وبنى على
صلاته.
وخَصَّ الشرع هذين النجسين بعدم نقض الصلاة وإن نقضا الوضوء، لأنهما ضروريان لا يستطاع دفعُهما، ولهذا ترتب العفو عنهما في نفس الصلاة دون الوضوء، فكانت رخصةً خاصةً بهما لا يقاس عليها نظائرهما وإن اشْبَهَتْهُما في حقيقة النجاسة، وفي رواية: «القي والرعاف
455