الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٦بأخذه من مُفيده أيّاً كان بل يكون الأخذ عمّن اشتهر ذكره وارتفع قدره أولى وأجْمَل. وما أَجْدَر الانتساب بأن يكون إلى من رسَخَتْ في العلم وتوفر من التَّقوى لباسه وزاده، ورفع العِلمُ والعَمَل شَأْوَهُ
قَدَمُه
وشأنه:
إذا أنت لم يشهرك علمك لم تجد لعلمك مخلوقاً من النَّاسِ يَقْبَلُهُ وإن صانك العلم الذي قد حملته أتاك له من يجتنيه ويحمله
وإذا
قال المحققون: إذا قرب منك العِلم فلا تطلب ما بعد منه، سهل من وجه فلا تطلب ما صَعُبَ، وإذا أحمدت فيه من تعرفه فلا تطلبه ممن لا تعرفه فالخبرة سراج وهاج، والتغشم زيح عن المنهاج، والبعد عن الأقرب عناء وتخيّر الأصعب على الأسهل بلاء، والانتقال عن المخبور إلى المظنون مخاطرة.
وفي
قال عليّ: عُقْبَى الأخرق مضرّة، والمتعسّف لا تدوم له مَسَرَّة. وقال حكيم: القصد أسهل من التَّعَسُّف، والكفّ أورع من التكلف الطباع استهانة بمن قَرُبَ وتتبع لمن بعد، وطلب الأصعب احتقاراً للأسهل والانتقال إلى المجهول عمّن مَحْصَتْه الخُبرة وسَبَرته المخالطة مللاً وتشبعاً من المألوف وتطلعاً إلى الغريب فيفوته مرغوبه ويعز عليه الطائل من مقاصدِه، وهذه غريزة طبيعية في البشر. قالت العرب: العالم كالكعبة يأيتها البُعداء ويزهد فيه القُرباء:
لا ترى عالماً يَحِلُّ بقوم فيُحلّوه غير دار الهوان قلما تُوجَدُ السَّلامَةُ والصحة مجموعتين في إنسان فإذا حلنا مكاناً سحيقاً فهما في النفوس معشوقتان هذه مكة العزيزة بيت الله يَسْعَى لحجها الثقلان ويُرَى أزهد البرية في الحـ ج لها أهْلُهَا لِقُرْبِ المَكَانِ وأما سائر آداب المتعلم من حُسن السَّمتِ والشَّارة والصبر والجَد، والمواظبة والبحث، والتفتيش عن الحقائق واكتشافها من بين غواشي الشبهات، والإكثار من اقتناء الضوابط والاحتفاء بالفوائد
،
46