الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٦٨وأن (المص) رحمه الله وجد التعليل عن الإيضاح فتابعه، أو أنه وجد عن القائلين بهذا القول تعليله بهذا، على أن هذا القول بقطع النظر عن هذا التعليل قد يمكن تعليله بأنّ من أصحابنا من يقول بنجاسة قيء الأنعام لعموم حديث نجاستِه، فلعلهم اعتبروا فَرْتَ كروشهنّ بكونه لم يستحل رجيعاً، ومالم يستحل رجيعاً فهو الذي تتقيأ منه إذا تَقَيَّأَتْ وتجتر منه ذوات الجرّة منهن، فلو أنّ جَرَّةً انسكب منها شيء من الفم فذلك لاشك من حيز القيء.
وحكم المنسكب وحكم مافي الفم وحكم ما تجتر منه في الكرش شيء واحد، وإذا صح أنه شيء واحد صح أن له حكماً واحداً، إذ لا يترتب حكم نجاسَتِه لمجرد خروجه من الفم إذا حكم بنجاسته في الأصل، ألا ترى أنه لا يعتبر في الرجيع النجس تَرَتُبُ نجاسته على المخرج عندنا، وإنما المعتبر أصالة نجاسته، إذ لو انشق جوف إنسان مثلاً لن يُعتبر في نجاسات جوفه شرط خروج القيء من الفم، وخروج الرجيع من الدبر، إنما كان المعتبر نفس النجس كيفما برز من الجوف، كما لو خرج الرجيع من الفم وبالعكس، فكذلك حكم مافي كروش الأنعام مما لم يصل إلى درجة الرجيع فلا يحكم بكونه رجيعاً.
والفرق بين الرجيع والفرث ظاهر؛ إنّ الفرث ما تَفَتَّتَ الأطعمة من بالمضغ، ووصل مُفَرَّنَا أَيَّ مُفَتَتَاً مُفَرَّقاً إلى الكرش من ذوات الكروش، وما دام فيه صلاحية للجسم وغذاء تجتذبه العروق وتتصرف فيه القوتان الهاضمة والغاذية فهو فرث، ولذلك وصف الله سبحانه اللبَنَ بأنه يتولد
بين فرث ودم، أي أنّ المادة اللبنية تتكون من مادة الدم ومادة الأغذية التي تجتذبها القوة الغاذية، وإذا أخذت العروق كل ما يصلح من الغذاء والأمزجة للبدن، ولم يبق في تلك الأجرام المنهضمة صلاح وصارت أذى يجب إخراجه استولت عليه القوة الدافعة فدفعته من الأسافل وما دام الغذاء تمتصه العروق من الكَرِش أو المعدة فما دفعته الطبيعة
،
468