نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٧٦

أنَّ الله تعالى أنزل في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنْطَهَرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108] ولإمرارهم بالماء والحجارة على أثر البول والغائط، وأَنَّ مَدْحَ الفعل والفاعل يدل على الأمر، كما أن ذِكْرَ الثواب عند الفعل يدل على الأمر على مافي (السؤالات).

قال القطب: ولعل ذلك في القرْآنِ لكنه غير مُسَلَّم عند البحث، وعلى التسليم قد تكون الآية دليلاً على أنه لا يصح الوضوء إلا بعد زوال النجس، وإن لم تكن دليلاً فالدليل من السُّنَّةِ.

قال (المص) رحمه الله: إنّ الاستنجاءَ بالأحجار قد كان مفروضاً قبل وجوب الاستنجاء بالماء ثم نُسخ فرضه بعد ذلك وبقيت ندبيته، ثم ذكر المص رحمه الله سبب نزول الآية: ومَشْى رسول الله صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء … إلخ قال: ثم أمر بذلك وثَبَتَ من سُنَّتِهِ فصار فرض الاستنجاء بالأحجار منسوخاً بالكتاب والسنة إلا عند عدم الماء، وإنما نسخ مع وجود الماء فقط .. إلخ. اهـ. فيظهر من تسديد الله وتوفيقه لأهل قباء لذلك الفعل، وتقريره تعالى فعلهم، ومدحه تعالى للفاعل والفعل لاشك أنه تقرير وإثبات للفعل وتقريره تعالى فرض ولذلك ترتب عليه تقريره، ألا ترى أنه مشى إليهم وسألهم عن سبب مدح الله تعالى إيَّاهم، أي عن الفعل الذي سبب لهم المدح والحبّ من الله تعالى، ولما أخبروه أَمَرَ به انقياداً لِمَا أَحَبَّ الله فعله وقرّره وأَحَبَّ فاعله، وما أعظَمَ دَرَجَةً مَنْ أخبر الله عنه

أنه يحبّه، وما أوْجَبَ الفِعلَ الّذي أخبر أنَّ فاعله مَحْبُوب لديه بسببه.

وإذا تَحَقَّقْتَ هَذا فَتَحَقَّق أن طهارة الوضوء طهارة حكميّة، وإزالة النجس طهارة حسيّة تترتب عليها الحكمية، إذ الشرع لا يحكم بالصحة والثبوت للطهارة الحكمية حتى تزول عين النجاسة المحسوسة بما أمر الله أن تزول به من الماء مع وجوده وهو موجود فلا يقوم مقامه بَدَل منه، ثم إن فرض الغسل عزيمة، والعزيمة لا تسقط بالرخصة إلا بموجب، وهنا لا موجب للرخصة مع مُوجب فرض العزيمة، ولا تنس

476

٤٧٦ / ١٬٦٨٣