الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٩تتعلمون منه ليتواضع لكم من تُعلّمونه، ولا تكونوا من جبابرة العلماء،
فلا يقوم علمكم بجهلكم.
قال بعض
ومَنْ
العلماء
السلف: من تكبر بعلمه، وترفع وضَعَه الله به، تواضع بعلمه رفعه الله به، ثم إنّ العلة لعجبهم انصراف نظرهم إلى كثرة من دونهم مِنْ الجَهَلة، وانصراف نظرهم عمّن فوقهم من إذ لا متناهي في العلم إلا وفوقه أعلم منه، فهو دليل عدم إحاطة البشرية بالعلم، قال تعالى شأنه نَرْفَعُ دَرَجَتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلَّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76]. أي إنّ المخلوقين طَبَقات في العِلم ودرجات من عالم إلى أعلم منه حتى ينتهي العِلْمُ المُطْلَقُ إلى العليم بذاتِهِ لذاته سبحانه وتعالى، فلا بداية ولا نهاية ولا مِثْلَ لعِلم مُحَدَثٍ قيل لحكيم من يعرف كل العلم؟
قال: كل الناس. يعني أنّ العلم المُحدّث موجود في البَشَر العاقل. قال الشعبي: ما رأيت مثلي وما أشاءُ أن ألقى رجلاً أعلم مني إلا لقيتُه. وَصَفَ الشعبي عظمة علمه وأنّه لو شاء أن يلقى من هو أعلم منه لقيه يصف عظمة العلم وعزّته من أن يُحاط به ولم يرد الإعجاب بنفسه، فواجب العالم ملاحظة ما قصر عن نيله ولم يبلغه إدراكه فلو انفتحت خزائن حقائق المعلومات للحاسة العقلية لعلم أنه لم يحصل من العلم إلا ما تأخذه الشعرة من مجموع بحار الدنيا:
من
شاء عيشاً هنيئاً يستفيد به في دينه ثم في دنياه إقبالا فلينظرنّ إلى مَن فوقه أدباً ولينظرنّ إلى مَنْ دونه ما لا وإذا اعتبرت وفرة الإعجاب رأيتها تغلب على المُقِلِّينَ من العلم المفلسين من قوة الإدراك، وبقدر كثرة العرفان يقل العُجب، فالأول يتخيل إدراك النهاية وهيهات بينهما مراحل، والثاني يدرك بنور علمه قَدْرَ نفسه واستحالة بلوغ النّهاية فيتقاصر إلى نفسه، ويبني اعترافه بما لم يدركه على أساس ما أدركه فهذا يمنعه من العجب.
قال الشعبي: العلم ثلاثة أشبَار، فمن نال منه شبراً شمخ بأنفه وظن
49