نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٧٥

فهذا بعض ما قاله علماء التفسير في أخذ الزينة عند كل مسجد، وأنت إذا تبصرت في الآية الشريفة من قوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) [الأعراف: 29]؛ إلى قوله تعالى: لو كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [الأعراف: 32]؛ وجدت أوامرها كلها وجوبيّةً، لا مصرف لشيء منها ينحط عن رتبة الوجوب، إذ لا يقول عاقل: إنّ أمره تعالى بالقسط ليس مقتضاه الوجوب، كما لا يقول عاقل: إنّ الخروج إلى حد الإسراف في الأكل والشرب، وتحريم زينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق، وإبداء العورات لأعْيُنِ الناظرين في أعظم عبادات الله وبيوت الله التي أمر أن تُرفَع ويذكر فيها اسمه، ليس خروجاً عن حدّ القسط إلى أقبح الجورِ وأفحشه وأشنعه.

فقوله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَتي بِالْقِسطِ﴾ [الأعراف: 29] دليل على أنَّ الأشياء تكون في أنفسها قسطاً لوجوه تعود إليها في ذواتها، فيأمر الله بذلك الشيء لتلك الوجوه العائدة إليه إذ صار قسطاً في نفسه، ولا يأمر ربّنا بضدّ القِسط بل كل أوامره قسط، ولو لم يظهر لنا وجه في ذاته قبل ورودِ الأمر به، ولا قسط في شيء نهى عنه سبحانه.

قسطه

وكان من جملة القسط أمر اللباس وأمر المأكول والمشروب لا جَرَمَ أتبع الأمر بالقسط بالأمر باللباس وأيضاً لما أمر بإقامة الوجوه عند كل والمراد إقامة الصلاة، وكان ستر العورة شرطاً لصحة الصلاة، لا جَرَم أتبعه بذكر اللباس.

مسجد،

وقد بيّنا أنّ المراد من الزينة لبس الثياب؛ دليله: «ولا يُبدين زينتهن» يعني: الثياب، وإن قلنا: المراد بزينتهن أجسادهن ما عدا الوجه واليدين، رجع الأمر إلى الأمر بالثياب الساترة لكلّ ما يصح أن يطلق عليه اسم زينة من أجسادهنّ ذلك لأنّ الزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات، وهذا أصل أخذ التزيين بالثياب الفاخرة في الجُمَعِ والأعياد وكونه سُنَّةً. ألا ترى ذِكْرَهُ تعالى في الآية السابقة: ﴿قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيساً﴾ [الأعراف: 26]؛ فَبَيَّنَ سبحانه أن اللباس المواري للسوءةِ مِنْ

Vo

٥٨٦ / ١٬٦٨٣