الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٧٦قبيل الرياش والزينة، ثم أتبعه بإيجاب أخذ الزينة في هذه الآية، فثبت أن المراد بالزينة هنا هو ما ذكره تعالى في الآية السابقة، وأن يحمل على ستر العورة، سيما وإجماع المفسرين على كون المراد بالزينة لبس الثوب الساتر للعورة.
وأيضاً فقوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ أمر، والأمر للوجوب، فثبت أن أخذ الزينة واجبٌ، وكل ما سوى اللبس فغير واجب، فوجب حمل الزينة على اللبس عملاً بالنص بقدر الإمكان.
فتحرّر أن قوله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ. أمر، والأمر للوجوب، فدل على وجوب ستر العورة عند إقامة كُلّ صلاة، ولا حجة للقائلين باستحباب ذلك وحمل الآية على الندب، فالمراد من الزينة الزينة الظاهرة من الرداء ونحوه من الملابس التي هي زينة بالحديث الوارد مِنْ أنه كان رجالٌ يُصلّون مع النبي عاقِدِي أَزُرِهِمْ على أعناقهم كهيئة
الصبيان.
ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكنَّ حتّى يستوي الرجال جلوساً. قالوا: ولذلك مَنْ لم يجد ما به يَسْتُر عَوْرته لم يختلف في أنه يُصَلِّي واختلف فيمن عدم الطهارة هل يصلي أم لا يُصَلي؟.
ولا حجّة علينا بهذا؛ لأنا نقول بإجماع منا على إيجاب الصلاة بالثوب النجس عند عدم غيره، ولو كان في نفسه ـ أعني المصلي - طاهراً متطهراً، فنقول: فرض الاستتار ولو بنجس غير منحط عنه بسبب نجاسة الثوب، ولا نلتفت إلى خلاف الشافعي وأهل الحجاز إيانا في هذا بقولهم: يُصَلي وهو عريان، ولا إلى اشتراط أبي حنيفة وأصحابه من أهل العراق في إجازة الصلاة به إذا كانت النجاسة أقل من مُصَلاه، فلو استفرغت النجاسة له خُيّر المُصَلِّي بين أنْ يُصَلِّي فيه أو يصلي وهو عَرْيانٌ، لأنّ الأصل كون النجاسة غير مُغْتَفَرٍ قليلها وكثيرها في غير هذا المحل، فلا موجب للتفرقة هنا بين ما إذا كانت مستفرغة أو غير مستفرغة، ودليلنا بحمد الله قوي وهو الإجماع على أنَّ مَنْ لا يستمسك
76