الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٣٩وأقول: ومثله لو شَغَلَه مرض أو جهاد أو لازم من لوازم الطاعة مُطلقاً إن كان مما يضطر إليه في دينه، كتعلم ما يجب عليه علمه مما لا يَسَعُ جهله، أو في أمر دنياه كاكتساب ما يضطر إليه هو ومن لزمته مؤونته في حينه، وما يشاكل هذا، لكن يوافق في انتقائه مختار الشرع وسيرة المسلمين في تقديم أقرئهم لكتاب الله، وأعلمهم بسنّة نبيهم، وأفضلهم صلاحاً عند أنفسهم، ومن يرجونَ أَن يقضي الله، حاجَتَهم على يَدَيْه؛ وقد قال نبينا صلوات الله وسلامه عليه: «أئمتكم وَفد لكم إلى ربّكم، فانظروا ما تُوفِدون إلى ربكم وليس له ولا لغيره أَنْ يقلد صلاة الناس في رقبة من رغب عنه الشارع، ولم يكن من المسلمين أن يقلدوها مرغوباً عنه شأنه الرئاسة وحب المنزلة والتقدم، فإنّ الإمامة الصغرى نوعُ زَعامَةٍ دينية، وللنفس دسائس لا تبصرها إلا بصائر مَنْ هَدى الله، فتتخذ النفس هذه الزعامة وسيلة للتقدّم على الناس، وأن يكون الرجل من ذوي الهيئات المشار إليهم.
ممن
سنة
وفي الحقيقة: إنّ أمثال ذوي السرائر المنتنة لا يتقلدون هذه الزعامة المقدسة باستحقاق، وأنّى لهم أن يكونوا وفد عباد الله إلى الله ونحن نَرَى أن الوفادة بين المخلوقين لا يُختار لها اللصوص والخونة وسفهاء القوم، إنما يوفد الناسُ إلى ملوكهم وكبرائهم ذوي الأحلام والعفة والشرف، فكيف بها إلى ملك الملوك وربّ العزّة ذي الجلال والإكرام، وهل ينظر الله إلى أمثال هؤلاء، فكيف يُكرِمُ وفادتهم ويقضي حاجات عباده على أيديهم؟! فلو أَنَّ مُقَدِّماً قدم إماماً هذا القبيل فأخطأ صلاته في
من
وبَدَّلَ، كان مَنْ قَدَّمَه والعياذ بالله حاملاً لأوزار الناس والحزم والورع أن يكفّ العَبْدُ نفسه عن تقديم من لا يعلم حاله، إنما قصاراه أن يُصلي مع الناس متابعاً لمن قدموه، فإن أحْسَنَ بهم الصلاة فقد حاز فضل الجماعة، وإِنْ
أسَاءَ فيها بما يفسدها فليُبدِل هذا المتابع صلاته، ومؤنة البدل مع السلامة من الإثم أخَفٌ من حمل أوزار الناس.
ثم إن مستحق التقديم المعتاد الإمامة في مسجد لا يفتقر إلى تقديم
139