الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٤١وأصل اختلاف المقامين تعارض الأخبار الواردة في فضل الإمامة والأخبار الواردة في التجنب عنها، وليس هذا على الإطلاق ولكن في المسألة تفصيل.
فمن الوارد في ترجيح الغنيمة قوله عليه السلام: «مَنْ أم أصحابه خمس صلوات إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه، ومنه قوله عليه السلام: من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد لا يجدون إماماً يُصلّي بهم الحديث في أمثالهما من أحاديث الترغيب فيها. ومن آثار الترجيح للسلامة قول أبي أيوب الأنصاري: كثيراً ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ابتدروا الأذان ولا تبتدروا الإمامة»، ولهذا قال أبو أيوب: لا أحبّ أنْ أوْمَ «قومي فكراهة أبي أيوب إمامته لقومه لسبب ما يخطر في بال الإمام أنّه لولا أنَّ له فضلاً على قومه لما قدموه عليهم، ولعله وقعت هذه الخطرة مرةً في باله فتقاعس عن الإمامة بعدها خشية هذه الخطرة وما شابهها فقال: «لا أوْم بَعْدَها أبداً»
فأبو أيوب مرجّح للسلامة على الغنيمة، الغنيمة، وهو قول وهو قول، والقول الآخر ترجيح الغنيمة والخلاف لفظي، لأنه من اليقين أن الغنيمة أفضل لمن يقوى على السلامة، وذلك فيما وذلك فيما بين الإنسان ونفسه، وأما أن يترك العبادة خوف الرياء أو خوف أن ينسب إليه فلا يجوز بل يفعل ويقهر
النفس. وقد ينظر المؤمن لأخيه المؤمن ما يخشى عليه منه سوءَ المَعِيَّةِ بناءً على أساس الدين النصيحة، كما يُروى عن أمير المؤمنين عُمَرَ الله رضي عنه أن رجلاً سأله أن يؤمّ قومه في كذا فقال: «أخاف أن تنتفخ إلى الثريا فلم يأذن له.
فلعل عُمَرَ علم من الرجل عجزه عن قهر النفس وكبح الخطرات الذميمة، فاختار له السلامة من انتفاخه كبراً وعجباً بحيث يقال على
سبيل المبالغة: انتفخ إلى الثريا؛ كناية عن شدة الكبر، وغيرُ بِدع من
عمر نظره بمثل هذا في نصيحة الدين.
141