نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٦٦

وهكذا القول في سائر صفاته وأفعاله فإنّ أسماء الصفات والأفعال إنما كانت متعدّدة كثيرة لكثرة معلوماتها، وتعدّد مدلاتها تقريباً لأفهام العباد ليتوصلوا بها إلى معرفته التي هي سبب فلاحهم وكيمياء

سعادتهم.

تعدد

والأصل في صفاته تعالى أنّها شيء واحد في الحقيقة باعتبار تجلّي ذاته المقدَّسة على كل شيء، لكنّها باعتبار الأمور الخارجية من التجليات وتنوع المتجليات للذات الكريمة تكون أنواعاً عديدة بحسب ذلك، فلو سُمّي العلم مثلاً قدرة أو إرادة أو قهراً أو كبرياء أو عزّة لما صح معنى ولا لغة، وكذلك لو سمّي السَّمع بَصَراً أو البصر سمعاً أو أحدهما قدرة أو القدرة كلاماً أو الكلام مشيئة أو المشيئة قهراً وهكذا.

وقد راعى الله هذا الاعتبار الخارجي في خطابه كما قال في كتابه: قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَدِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) [المجادلة: 1] وهو سميع الدعاء، فلا يجوز في إطلاق اللغة إلا مراعاة هذه النسب الخارجية، فلا يقال: إنه تعالى يبصر الأقوال، ويرى، الأصوات، وينظر الدعاء، كما لا يقال: إنه يسمع الجبل أو الحجر أو كمان يمان الشَّجر والمدر أو غيره من كل ساكن في حال سكونه، وعدم تحرّكه واضطرابه، ولو قيل هذا لكان خَطَاً واضحاً وغلطاً فاضحاً لمخالفته أوضاع اللغة واتساع العرب فيها.

ومثال ذلك أن الأكل والشُرب كليهما عبارة عن إساغة شيء في الحلقوم من الفم إلى البطن فهما معنى واحد في الأصل، لكن واضع اللغة خص تسمية الإساغةِ من المائعات بالشرب والجامدات بالأكل فلو قيل: أكلت ماءً وشربت طعاماً، لكان خَطَأ، ولهذا احتاجوا إلى التأويل فيما أفْهَمَ العكس، فقالوا في قول الشاعر:

«فَعَلَفْتُها تِبْنَاً وماء بارداً إنّ انتصاب الماء بفعل مُقدّرٍ، أي وسَقَيْتُها ماءً بارداً، لأنّ الماء لا يُعْلَفُ وإنما يُسْقَى، وهذا مَعْنَى في اللغة لا يَخْفى على مَنْ عرفها وليس هو ممّا نحن بصدده من الكلام على

66

٦٦ / ١٬٦٨٣