الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٦٧استحقاق الإمامة بمن هو فوق دَرَجَتِهِ من تمام الإدراك، ألا ترى إلى كراهة عُمر رضي الله عنه كيف بناها على قصور إدراك الأعمى لحقيقة القبلة، وحيث كان كلاً على الناس أينما يوجهوه توجه، كره إمامته عند وجود البصير الحاصلة فيه شرائط الإمامة، وهكذا تطرد هذه العلة سائر أحكام صلاتِهِ الَّتي يتوقف إدراكه للإيناء بها على وجهها على إدراك
الغير، ليس محصوراً على مجرد إدراك القبلة فقط، فاعرف ذلك.
في
بل
ثم إنَّ نَقْص الإدراك البَصَري ليس قاصراً على نفس العمى فقط، إنَّ المانعين ألحقوا بحكمه حكم مَنْ يعشو ليلاً فينطمس بصره بالليل فمنعوا إمامته ليلاً، وجعلوا عدم الإدراك مهما كانت صورته وكيف كانت عِلَّته هو العلة المانعة، وحيث زالت العلة زال حكمها، ولذلك أفتى محمد بن محبوب رحمة الله عليه بعدم جواز الصلاة خلف مَنْ يعشو ليلاً، وبجوازها خلفه نهاراً. قال الإمامُ الكَدَميُّ: لأنَّه نزل بمنزلة الأعمى، ويلحقه الاختلاف في صَلَاتِه.
وبالجملة: فنقص الإدراك الذي تتوقف عليه صحة الصلاة تفتقر إليه الإمامة بمن هو تامّ الإدراك، والاحتجاج به لا يدفعه مجرد القياس فالمرجع هنا إلى السنّة في تقديم ابن أم مكتوم، وقد علمت إيقاف هذا على الاضطرار لا على الإطلاق في رأي البعض، وهو أصلح الأقوال للجمع بين الأدلة. والله أعلم.
المسألة الثامنة
أجمعوا على جواز صَلاةِ المتطهر بالمتيمم، واختلفوا في العكس. فأجازت فرقة صلاة المتيمّم بالمتطهر بالماء بناءً على أنَّ كلتا الطهارتين شرعيتان، واختار هذا القول ابن بركة، إذ كلاهما في حكم الطهارة فما المانع من صلاة طاهر بطاهر، لأنَّ حاجة الصلاة إلى ثبوت
،
الطهارة، وثبوتها هنا حاصل لكل من الطرفين بما بيَّنه الشرع فلا مانع للصلاة رافع للحَدَثِ، وحيث ارتفع الحدث ثبت حكم
إذ كلاهما مبيح
167