الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٧٨ومن المعلوم أنَّه لا يتقدّم على الرسول في الصلاة وغيرها أحَدٌ إلا بالإذنِ من الشارع.
قال: وفيه بحث من جهتين؛ إحداهما أنَّ هذا الاستدلال لا يتم إلا على قول من جعل شرع من قَبْلَنا شرعاً لنا، والثانية يحتمل أن تكون لا يشترط فيها التلاوة كصَلاتِنا.
صلاتهم
قال: والجواب أنَّ مَحَلَّ الاستدلالِ اختيار الله إيَّاه للرسالة، إذ لو كان ذلك نقصاناً في الرسالة لكان سالماً منه واختار غيره، وإِذَا ثَبَتَ أنَّه غير نقصان في الرسالة فكذلك الإمامة. والله أعلم. اهـ. وأما صلاته بمن هو مثله في ثَقل اللسان وعدم الإفصاح، أو بمن
هو أشَدّ لكنة منه، فلا قول إلا الجواز.
ومما يؤيد جواز إمامة من تكون في لسانه عُجمة ما جاء في الأثر: أنه اجتمعت جماعة في مكة في الحجّ، فحانَتْ الصلاة، فتقدم رجل من آل أبي السائب أعجمي اللسان قال: فأَخَرَهُ المُسَوَّرُ بن مَخْرَمَةَ وقَدَّمَ غَيْرَهُ، فبلغ عُمَرَ بن الخَطَّاب فلم يُعرفه بشيء حتى جاء المدينة، فلما جاء المدينة عَرَّفَه بذلك فقال المُسَوَّرُ: أنظِرْني يا أمير المؤمنين، إنَّ الرجُلَ كانَ أعجمي اللسان وكان في الحج، فخشيت أن الحاج قراءته فيأخذ بعُجمَتِه فَقال: هنالك ذهبت بها؟ فقال المُسَوَّرُ: نعم. فقال: قد أصَبْتَ.
يسمع
بعض
فهذا الأثر يدلّ من اعتذار المسوّر ومِنْ إنكار عمر عليه أنَّ تَقَدَّم ذلك الرجل غير قادح في صلاته كونه أعجمي اللسان، وإنما أخره المُسَوَّر لئلا تُسمَعَ عجمته في قراءة القرآن في ذلك المجمع العظيم، فيظن من لا يعلم أنه قرأ كما أنزل فيأخذ عنه فيتسلسل الأخذ على تلك العجمة في الكتاب العربي المبين، ولهذا النظر الصالح أقرّه عُمَرُ وصَوَّبَ فِعله، ليس أنَّ تأخير المُسَوَّرِ لذلك الرجل لشأن قَدْح عُجمته في الصلاة، ولذلك استحل تأخير مُسْلم قارئ عن تلك الإمامة وهو ليس بوال تصح له سُلطة التأخير والتقديم.
178