الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٨٧ويحتمل أن المنع مبني على قبح الهيئة، وعليه فتمتنع الصلاة بتلك الهيئة مطلقاً كان إماماً أو منفرداً.
وهذا الاحتمال هو ظاهر كلام أبي عبد الله في قوله: يجوز أن يؤم إذا التحف بالرداء، ولا يجوز إذا ارتدى به على السراويل؛ وقول أبي معاوية مبني على الكراهية.
والصحيح عندي في هذا كله الجواز، لأنَّ الغَرَض حصول السترة، فإذا حَصَلَتْ بثوب أو ثوبين أو غير ذلك أجزأ، نعم وَرَدَ النهي عن
بعض هيئة اللباس كما مَرَّ، فإذا خلي منها المصلّي فلا معنى للمنع. والدليل على ذلك حديث عمرو بن أبي سلمة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحدٍ، مشتملاً به في بيت أم سلمة واضعاً طَرَفيه على عاتقيه»، وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يُصَلِّينَ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء». وليس التفاضل في اللباس بعد حصول السترة معتبراً عندي، وإنَّما المعتبر التفاضل في الإيمان، كما يدل عليه حديث: «يوم القومَ أَقْرَوْهم»، وحديث: وليؤمكما أفضلكما وأشباه ذلك من الأحاديث، وليس في شيء منها: يؤم القوم أكملهم لباساً، أو أكثرهم ثياباً! قوله: أو كلكم يجد ثوبين». اهـ.
أقول: قد تحرر المقام في كلام المص جزاه الله النعيم الخالد، وممّا يؤيّد مذهبه آثار؛ منها ما رواه محمد بن المنكدر قال: «صلى بنا جابر في إزار قد عَقَدَه من قبل قفاه وثيابه موضوعة على المِشجَبِ، فقال له قائل: تصلّي في إزادٍ واحدٍ؟ فقال: إنَّما صنعت ذلك ليراني أحمق مثلك، وأيُّنا كان له ثوبان على عهد رسول الله.
،
وفي فائق الزمخشري: أجمعوا على أنَّ الصلاة في الثوبين أفضل فلو أو جبناه لعجز مَنْ لا يقدر عليهما وفي ذلك حَرَجٌ، وأما صلاة النبي وأصحابه في ثوب واحدٍ ففي وقت كان لعدم ثوب آخَرَ، وفي
وقت كان مع وجوده لبيان الجواز». اهـ.
187