الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٩٢فحكى أبو إسحاق الاتفاق على جواز إمامته بمثله، وأما بذوي الأنساب فقولانِ؛ مالَ أبو إسحاق إلى المنع، وحدث الشافعي عن مالك عن يحيى بن سعيد أنّ رجلاً كان يؤم ناساً بالعقيق فنهاه عمر بن عبد العزيز، وإنّما نهاه لأنَّه لا يُعْرَفُ أبوه.
قال الشافعي: وأكره أنْ يُنْصَبَ مَنْ لا يُعرَفُ أبوه إماماً، لأنّ الإمامة موضع فضل، وتجزئ مَنْ صلى خلفه صلاتهم، وتجزئه إن فعل. اهـ. وعن عائشة: ما عليه من وزر أبويه شيء.
عن
قال الإمام الكدمي رضي الله عنه: إن كان غيره أدعى لمسارعة الجماعة فتَقَدِّمُه أَحَبُّ إليّ، ولا أحبُّ أن يُدخل على الناسِ مشقة الاختيار؛ فأثَرُ عائشة محمول على عِظَةِ الكارهين لإمامته المستنكفين عن اتباعه، بأنَّ وَزْرَ أبويْهِ المتسافحين لا يُحمَلُ عليه منه شيء، وخِشَةٌ هذه النسبة المتكونة على السفاح لا تؤثر في أهلية الإمامة، والأكرمية منشؤها التقوى لا الأنساب، هذا لا أنها رضي الله عنها تبيح إمامته ولو كره الناس ونَفَرُوا عن الائتمام به، ولهذا فضَّل الإمام المسألةَ، فلم يجعل إمامته من الواسع إذا كرهها الناسُ وثَبَّطَتْهم عن المسارعة إلى الجماعة لما جُبلَتْ عليه طباع ذوي الأنساب الأنفة من عن اتباع أبناء السفاح حتى في الأمور الدنيوية، فضلاً عن أعظم أركان الدين التي الإمامة فيها ضرب من ضروب الإمامة العامة، لا جرم ترتب المنع على وجود حالة النفور عنه، والكراهة له لا على مجرد النسب الخسيس. وهذا أصل قول الوضاح بن عقبة رحمه الله تعالى: الدعي تقبل
شهادته، ويُصَلى خلفه إن كان صالحاً، وإن مات دَخَلَ الجنة
وعلى هذا الأصل فهو داخل تحت عموم: «يؤم القوم أقرؤهم» ويبقى النظر في حكم أهليّته المخصصة من العموم، فترجع الأقوال إلى تفصيل الإمام الكدمي، وعليه ينطبق نهي عُمر بن عبد العزيز. وقولُ الشافعي، والله أعلم.
وعن ابن عباس: كرهتُ إمامة ولد الزنا لأنه قال: «ولد الزنا شَرُّ
192