الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٩٤أو إلى تقديم مفضول على فاضل، بل ربما قدموا من لا يُحسن الصلاة فضلاً عن كونه مُتأهلاً للإمامة، فالمحبة والكراهة بهذه الطريقة لا يتقدّم بهما مفضول، ولا يتأخر بهما فاضل، وإنّما مطلوب الشرع تقديم المتأهل للإمامة أحبوه أم كرهوه.
وليس مما يليق بالشرع اعتبار الكراهة لغير معنى مذموم شرعاً قادحةً في أهلية الإمامة الشخص، نعم إذا كانت لبدعة أو فسق أو جهل فلا تثريب عليهم إن كرهوه بهذه الأسباب، وإنما التثريب والعيب والإثم والوعيد على من تقدّم بغير أهلية، أما إذا كانت الكراهة لعداوة بسبب أمر دنيوي فلا يكون له هذا الحكم، وقيل: المراد إمام ظالم وقيل: هو إمام الصلاة وليس من أهلها فيتغلب، فإن كان مستحقاً لها فاللوم على من كرهه.
وقول أحمد وإسحاق: إذا كرهه واحد أو اثنان أو ثلاثة .. إلخ، فقيل: في هذا العبرة بالعالم ولو انفرد، وقيل: العبرة بالأكثر ورجحه ابن حجر، وهذا الترجيح محمول على أكثرية العلماء، وإلا فلا عبرة بكثرة الجاهلين قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 37] وإنما أوردت هذا المبحث في هذه المسألة لِتُحْمَلَ كَرَاهة إمامة ولد الزنا على ما إذا كان فيه مذموم في ذات الدين لا غير، ولعل ابن عبّاس رضي الله عنهما أخذ وجه الكراهة من منطوق الحديث بأنه شر من أبويه، حملاً على الأغلب من أولاد الزنا بأنّهم لا يفلحون ولا خير
فيهم، بأن لا يوفقوا للعمل الخير ولا للتوبة، والنادر لا حكم له. وما قاله ابن بشر الأسدي من كونه شرّ الثلاثة إن أسلم أبواه ولم يسلم فهذا غير خاص بولد الزنا، إذ يُعلم بالضرورة أنه من أسلم أبواه ولم يُسلم فهو شرّ الثلاثة ولو لم يكن ابن زنا فلا يبقى للحديث مفاد في أن ولد الزنا شر الثلاثة.
وبالجملة: فالشارع أعلَمُ بما ذهب إليه وبما أخبر عنه، فيجعل شَرَّ الثلاثة ولا يجعل إماماً مع الاختيار وإن تأهل والله أعلم.
194