الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٩٥المسألة السادسة عشرة:
وَرَدَ في الحديث: «لا يؤمن أعرابي، مُهاجراً، ولا يُؤْمَنَّ فاجر مؤمناً» فحمل بعض العلماء المنع على الاطلاق ولو نُسِخَتْ الهجرة، فلا يؤم الأعرابي قُرَويَّاً بناءً على الحديث ولو كان أقرأهم وعليه مالك، وجعل أبو مُخْلِد إمامته مكروهةً، وأجازها الشافعي وسفيان الثوري وأصحاب الرأي.
قال الإمام الكدمي رحمه الله: كونه أعرابياً لا يمنع إمامته إن لم يكن هنالك مانع آخر. قال (المص) رحمه الله: «إذا ثبت ذلك السنة من فلا ينتسخ بنسخ الهجرة». اهـ.
أقول: ذهب الجمهور إلى صحة إمامته، وخالفهم مالك معتلاً بغلبة الجهل على سكان البوادي.
الفقهاء
وقيل: لأنهم يديمون نقص السنن وترك حضور الجماعات غالباً ولقول مالك وجه من حيث العلة التي اعتل بها، لكن العلة ليست شاملة لجنس الأعراب، فلا يُطلق الحكم على مَنْ لم تشمله العلة، ونفس سكون البادية غير قادح في إمامة متأهل بشروط الإمامة، وإنما قال ذلك أيام كان أهل المدينة المهاجرون وسواهم هم القرّاء بالنسبة إلى أهل البَدْوِ المتصفين بما أخبر الله عنهم بأنهم أجدر ألا يعْلَمُوا حدود ما أنزل الله، وهم الذين حصهم الله إلى التفقه في الدين، فقال سبحانه: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَنَفَقَهُوا فِي الدِّينِ … الآية [التوبة: 122]، لاجرم حكم الحديثِ مُطَّرِدٌ في كل من أشْبَهَتْ حاله حال أولئك الفقهاء القراء في كل زمن وفي أي قطر، فلا يؤمهم الأعرابُ الجهلة، وإنما خُضُوا بالذكر بما أن البادية مظنّة الجهل والجفاء، وإلا فالجاهل لا يؤم كان حاضراً أو بادياً، فصح أن العلة ليس مجرد البداوة، ولكن العلة ما تؤثره البداوة على الطباع والأخلاق والعقول، فحيث وجدت آثارها فهي مقصودة الشارع بالمنع، وحيث لم توجد آثارها فالشارع لا يبخس
عالماً سواء
195