الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٥٦والنُّهَى بضم النون: جمع نُهْيَةٍ؛ وهو العقل الناهي عن القبائح، أمَرَ أن يدنو منه في الصف الأوّل وبالخصوص القفوة البالغون العقلاء الشرفهم ومزيد تفطنهم وتيقظهم وضبطهم لصلاته، وإن حدث به عارض يخلفوه في الإمامة، وقيل: أمر بتقديم العقلاء ذوي الأخطار والعرفان ليحفظوا صلاته ويضبطوا الأحكام والسُّنَن فَيُبْلِغُوا من بَعْدَهم. وفي ذلك
مع الإفصاح عن جلالة شأنه حث لهم على تلك الفضيلة، وإرشاد لمن قصر حالهم عن المساهمة معهم في المنزلة إلى تحري ما يزاحمهم فيها.
وأراد بالذين يلونهم هم المقاربون للأولين في رتبة الأحلام والنهى والمراهقون، والمرتبة الثالثة كالصبيان والنازلين مرتبة من المتقدمين حلماً وعقلاً، والمعنى هلّم جرّاً، فالتقدير ثم الذي يلونهم كالنساء الشرف الذكور عليهنّ مطلقاً، وقيل: المراد بهم الخناثي ففيه إشارة إلى ترتيب الصفوف.
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلني منكم أولوا الأحلام والنُّهَى، ثمّ الذين يلونهم ثلاثاً، وإياكم وهَيْشاتِ الأسواق وقوله: «ثم الذين يلونهم ثلاثاً أي كررّ ثم وما بعدها ثلاثاً والهيشات: جمع هيشة وهي رفع الأصوات، نهاهم عنها إذ الصلاة، خدمة الجليل العليّ الأعلى جل شأنه، وحضور بين يديه، فينبغي مع
،
الحضرة الإلهية السكون الحِسِّي كالمعنوي والتحقق بآداب العبودية وقيل: هي الاختلاط، والمعنى: لا تكونوا مختلطين اختلاط أهل الأسواق، فلا يتميز أصحابُ الأحلام والعقولِ من غيرهم، ولا يتميز الصبيانُ والإناث عن غيرهم في التَّقدَّم والتأخّر؛ قيل: هذا المعنى هو الأنسب بالمقام؛ قيل: ويجوز أن يكون المعنى: قُوْ أنفسكم من الاشتغال بأمور الأسواق، فإنّه يمنعكم عن أن تلوني.
وعن أبي سعيد الخدري قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه تأخراً فقال لهم: «تقدموا واتموا بي، وليأتم بكم مَنْ بعدكم، لا يزال قوم
256