نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٦٣

تؤذي مسلماً أو تضيق عليه حرکاتِ صلاته، بحيث لا يكون هو ولا مزاحِمُه متمكنين من إتمامها، وكان في الصف الثاني غير مُضَيق ولا مؤذٍ تَعَيّن تركه، قال عكرمة: لمّا رغب النبي صلى الله عليه وسلم في الصف الأول ازدحموا وآذَى بعضُهم بعضاً، فقال النبي: من ترك الصف الأول مخافة أن يؤذي مسلماً فصلّى في الصف الثاني أو الثالث أضعف الله له أجر الصف الأول»؛ وتضعيف الأجر لأنّه نوى الصف الأول فلم يدركه، فنفس النية أو جبت له أجر الصف الأول، وقضد ترك الأذى والمضايقة طاعة أخرى صار أجرُها عَدْل أجر الصف الأول؛ كل ذلك بكرم الله وجوده ورحمته.

وأما كونه فضيلة فهنا موجبات منها ما روي عن كعب الأحبار رضي الله عنه يتحرى الصلاة في أَخْرَيات الصفوف، ويقول: «بَلَغَني أنّ مِنْ هذه الأمةِ مَنْ يخر ساجداً لله فيغفر الله لمن خلفه، فأنا أصلي في أخريات الصفوف لعل الله يغفر لي فهذه فضيلة بالنسبة إلى مقام الرجاء والتعرض لمغفرة الله تعالى من كل صوب وبكل وسيلة، ولعل كعباً أراد بيان فضيلة هذه الأمة بالفعل، لما بَلَغَه من العلم من الكتب القديمة، فإنّها طافحة بذكر محمد صلى الله عليه وسلم وفضائل أمته، فَتَحَرّى كعب بما علمه نفحة المغفرة من بعض مواضعها، ولعله لم يداوم على ذلك، وإنما فعله مراراً رجاءً أن يكون في الصف الذي هو خلفه من ينال تلك الكرامة فيُغفّر له بسببه، ولعله كان يتحرّى ذلك اعتقاده لأفضلية الصف الأوّل، وإلا فَدَرَجة السُّنّة أعلى رفعةً في الفضل بيقين، ونيل المغفرة في أخريات الصفوف بسبب من يسجد في مقدمها أمرٌ مظنون، والمظنون ليس في درجة المُتَيَقَّن، لكن نقول بطريقة حسن الظن في كعب الأحبار التابعي الجليل رحمه الله، إنه لم يكن يتحرى تلك الفضيلة رغبة عن الأفضل إلى الأدنى، ولكن لعله ضاق عليه الصف الأوّل فقَصَدَ الفضيلة التي بَلَغَتْهُ من العلم القديم. والله أعلم. وبالجملة فهذا وإن كان فضيلة يُنْدبَ قصدها لكنها لا تقاوم فضيلة

العمل بالسُّنّة مع الاستطاعة. والله أعلم.

263

٧٧٤ / ١٬٦٨٣