الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٦٥فقهاء الأمصار لحديث أبي هريرة: إذا ثوبَ بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تَسْعَوْنَ، وأتوها وعليكم السكينة».
فلعل سَبَب الخلافِ أنّ المسارعين لم يبلغهم خبر أبي هريرة؛ قيل: ولعلّ إسراعَهم عَمَل بالكتاب في قوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) [البقرة: 148] وقوله جل ذكره: ﴿وَالسَّبِقُونَ التَسْقُونَ أُوْلَيْكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: 10 - 11] وقوله سبحانه جل شأنه: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن ربِّكُمْ} [آل عمران: 133].
أعمال سائر
وبالجملة: فأصول الشريعة المقدّسة شاهدة بالمبادرة إلى الخير؛ قال بعض قومنا: إذا صح الحديث وجب استثناء الصلاة من بين القُربِ؛ وانظر هل الأولى حَمْلُ الحديث على ما إذا توسّع الوقتُ وأُمِنَ الفوت، وإلا فلا وجه لمعارضة نصوص الكتاب بالحديث، وبحمله على ذلك يظهر لك أنّ الشرع آمر بالمسارعة والمسابقة في محلها، وبالسكينة والوقار في موضعهما، وإذن فلا تعارض فلا داعي إلى استثناء الصلاة، أم يَفَسّرُ المُسارَعَة والمسابقة والسعي بالقصد ومزيد الاهتمام وإشغال النفس وتقديم الأهم؟.
قال الحسن: «ليس السعي منحصراً على الأقدام، لكن على النيات والقلوب» يعني: ليس السعي الكامل، أو ليس السعي منحصراً على الأقدام، بل المدار على تحصيل الإخلاص في وصول المرام والنهي إنما هو عن الإسراع المفضي إلى تَشَتُتِ البال وعدم استقامة الحال، كما يؤخذ من قوله عليه السلام وأتوها تمشون أي بالسكينة والطمأنينة، إذ مدار الطاعة عليهما، لأنّ المقصود من العبادة الحضور المعبود، وهو أبلغ في النَّهْي من: «لا تَسْعَوا» لتصويره حالة الأدب، وأنه مُنافٍ لما هو أولى به من الوقار والسكينة.
سوء
ومِنْ ثم عَقَّبَه بما ينبه على حسن الأدب؛ فقال: وأتوها حال كونكم تمشون، لقوله تعالى: {وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هونا [الفرقان: 63].
265