الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٨٤والحنفية وأهل الظاهر وأبو ثور وغيرهم، وزاد هؤلاء فقالوا: يُصَلُّون وراءه قياماً وإن كان لا يقوى على الركوع والسجود بل يومئ إيماء. وروى ابن القاسم أنه لا تجوز إمامة القاعد، وأنه إن صلوا خلفه قياماً أو قعوداً بطلت صلاتهم.
وقد روي عن مالك أنّهم يعيدون الصلاة في الوقت بناءً على الكراهة
لا على المنع والأول هو المشهور عنه.
وسبب الاختلاف تعارض الآثار في ذلك ومعارضة العمل للآثار
أعني عَمَلَ أهل المدينة عند مالك.
وذلك أن في ذلك حديثين متعارضين:
أحدهما: حديث أنس بن مالك، وهو قوله عليه الصلاة والسلام وإذا صلّى قاعداً فصلوا قعوداً وحديث عائشة في معناه، وهو أنه وهو شاك جالساً، وصلّى وراءه قوم قياماً، فأشار إليهم أن أجلسوا، فلما انصرف قال: إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليؤتَمَّ به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلّى جالساً فَصَلُّوا جلوساً».
والحديث الثاني: حديث عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في مَرَضِه الذي توفي منه، فأتى المسجد فوجد أبا بكر وهو قائم يصلي بالناس، فاستأخر أبو بكر فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كما أنت، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر.
فذهب الناس في هذين الحديثين مذهبين مذهب النسخ ومذهب
الترجيح.
وهو
فأما
من
ذهَبَ مذهَب النسخ فإنهم قالوا: إنّ ظاهر حديث عائشة؛ أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يؤم الناس، وأنَّ أبا بكر كان مُسَمَّعاً، لأنه لا يجوز أَنْ يكون إمامان في صلاة واحدة، وأن الناس كانوا قياماً، وأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان جالساً، فوجب أن
284