الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨،
وقد وقف الآن في عهد السلطان سعيد بن سلطان الجامعة الثانية لهذه الدولة البوسعيدية؛ لأن الشَّيخ سالم بن عديم الرواحي والد الشيخ المترجم انتقل كغيره من أعيان أهل عُمان إلى حِمَى ذلك السلطان، فكان السلطان المذكور كأنه المعني بقول القائل في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
فكانوا يُقبلون على حماه كأسراب الظباء رَأتْ معيناً، أي ورداً صافياً، أو كالأسود رَأت عريناً.
فلحق هذا الشيخ بأبيه، وكان أبوه من قضاة السلطان المذكور، ولم يترك بعمان من أخيارها وأفاضلها إلا اجتلبه إلى زنجبار كما أخبرني بذلك الشيخ حمد بن سُليمان بن ماجد الخروصي مِن أهْلِ (سفالة سَمايل) وَكان هَذا الشيخ من جملتهم، بل هَمَّ هَذا السلطان أن لا يبقى بعمان من أخيارها أحداً إلا جَلبَه إلى زنجبار؛ ليكونوا جمالها العربي وإظهاراً لشرَف عُمان في وجوه أهل إفريقيا، فاجتلب أهل عُمان تقديره وإحسانه، وفضله وامتنانه، فكانوا يزورون عُمان ويوطنون زنجبار، وكان هَذا الشَّيخ المترجم من جملتهم فإنه زار عُمان سنة (1300 هـ) وبقي بها قدر خمس سنين، ثم عاد إلى زنجبار لأن كل من خرج مِنْهَا حَنَّ إليها لرعاية السُّلطان المذكور، فإن عواطفه تجذبهم إليه.
ولما رجع هذا الشَّيخ إلى زنجبار ألقى بهَا عَصا التسيار، وحط رحله بها، واستوطنها بكل معنى الكَلِمَة، فنال من زعماء العائلة السَّعيديَّة كُلَّ جميل بحيث نامَ عَلى وطيء الفراش الرسوم باسم الراحة والرفاهة، والنعمة الكافية والمنة الوافية، حتى عَهْد السلطان حَمد بن ثويني، فكان عنده خصيصاً وإليه ألقى هذا السلطان بحكم القضاء في زنجبار، وأسند إليه المهم من الأحكام؛ فكان حمله لفقه الشريعة له مع فكاهة شعرية تعبّر عن الأدب العربي يتغنى بها في تلك الربوع الوارفة الظل بمناخ لا يلم به عاب إلا الآداب، ولا يعرف فيه المستراب بين الأحباب بين الأعيان من أهل عمان في مدينة تزخر بالخيرات، وتفيض